وبين الجافية الذين يعتقدون كفره وكفر عثمان رضي الله عنهما، ويستحلون دماءهما ودماء من تولاهما. ويستحبون سب علي وعثمان ونحوهما، ويقدحون في خلافة علي رضي الله عنه وإمامته. وكذلك في سائر أبواب السنة هم وسط، لأنهم متمسكون بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. انتهى.
﴿ وما جعلنا القبلة التي كنت عليهآ ﴾ أي: ما شرعنا القبلة، كقوله تعالى:
ما جعل الله من بحيرة
[المائدة: 103] أي: ما شرعها. و ﴿ التي كنت عليهآ ﴾ ليس بصفة للقبلة إنما هو ثاني مفعولي ﴿ جعل ﴾ أي: وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها، أي: في مكة تستقبلها قبل الهجرة وهي الكعبة. يعني: وما رددناك إليها إلا امتحانا للناس وابتلاء. أو ﴿ كنت عليهآ ﴾ بمعنى صرت عليها الآن. كقوله تعالى:
كنتم خير أمة
[آل عمران: 110]. أو بمعنى كنت على تطلبها، أي: حريصا عليه. وراغبا فيه. كما يفصح عنه قوله تعالى بعد:
قد نرى تقلب وجهك
[البقرة: 144] الآية.
وعلى هذه الأوجه، فتكون الآية بيانا للحكمة في جعل الكعبة قبلة. أو معنى التي ﴿ كنت عليهآ ﴾: قبل وقتك هذا وهي بيت المقدس. أي: إنما شرعنا لك التوجه أولا إليه ثم صرفناك عنه إلى الكعبة ليطهر حال من يتبعك، حيثما توجهت، من غيره. فتكون الآية بيانا للحكمة في جعل بيت المقدس قبلة أولا.
ثم أعلم أن الحكمة هو التمييز بين الناس بقوله: ﴿ إلا لنعلم من يتبع الرسول ﴾ في كل ما يؤمر به، فيثبت عند تقلب الأحكام بما في قلبه من صدق التعلق بالله والتوجه له أيان ما وجهه ﴿ ممن ينقلب على عقبيه ﴾ أي: يرتد عن دينه فينافق أو يكفر ممن كان يظهر الاتباع. وأصل المنقلب على عقبيه: الراجح مستديرا في الطريق الذي قد كان قطعه منصرفا عنه. استعير لكل راجع عن أمر كان فيه من دين أو خير. قال ابن جرير: قد ارتد، في محنة الله أصحاب رسوله في القبلة، رجال ممن كان قد أسلم، وأظهر كثير من المنافقين من أجل ذلك نفاقهم. وقالوا: ما بال محمد يحولنا مرة إلى ههنا ومرة إلى ههنا؟ وقال المسلمون، فيمن مضى من إخوانهم المسلمين وهم يصلون نحو بيت المقدس: بطلت أعمالنا وأعمالهم وضاعت.
وقال المشركون: تحير محمد في دينه. فكان ذلك فتنة للمؤمنين وتمحيصا للمؤمنين. انتهى.
لطيفة
العقبان تثنية عقب وهو مؤخر القدم. والانقلاب عليهما استعارة تمثيلية. وهذه الاستعارة نظير قوله تعالى:
ثم أدبر واستكبر
[المدثر: 23] وكقوله:
كذب وتولى
[طه: 48، والقيامة: 32، والليل: 16، والعلق: 13].
تنبيه
قال الراغب رحمه الله: ما وجه قوله: ﴿ إلا لنعلم ﴾ وذلك يقتضي استفادة علم. ولم يزل، تعالى، عالما بما كان وبما يكون؟ قيل: إن ذلك من الألفاظ التي لولا السمع لما تجاسرنا على إطلاقها عليه تعالى. ومجاز ذلك على أوجه: الأول: أن اللام في مثل ذلك تقتضي شيئين: حدث الفعل في نفسه وحدوث العلم به. ولما كان علم الله لم يزل ولا يزال، صار اللام فيه مقتضيا حدوث الفعل لا حدوث العلم. والثاني: أن العلم يتعلق بالشيء على ما هو به. والله تعالى علمهم، قبل أن يتبعوه، غير تابعين. وبعد أن تبعوه علمهم تابعين. وهذا الجواب هو في الحقيقة الأول؛ لأن التغيير داخل في المعلوم لا في العلم. والثالث: معناه ليعلم غيرنا بنا. فنسب ذلك إلى نفسه. كقوله تعالى:
الله يتوفى الأنفس حين موتها
[الزمر: 42] وفي موضع آخر:
قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم
[السجدة: 11]، وقال تعالى:
وعلمك ما لم تكن تعلم
[النساء: 113] وإنما علمه بملائكته. والرابع: معناه لنجازي، وذلك متعارف. نحو قولك: سأعلم حسن بلائك. أي: سأجزيك على حسب مقتضى علمي قبل. فعبر عن الجزاء بالعلم لما كان هو سببه. والخامس: أن عادة الحليم إذا أفاد غيره علما أن يقول: تعال حتى نعلم كذا. وإنما يريد إعلام المخاطب. لكن يحل نفسه محل المشارك للمتعلم على سبيل اللطف. انتهى.