تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله

[التوبة: 31].

قال عدي بن حاتم رضي الله عنه: قلت:

" يا رسول الله ما عبدوهم؟ قال: " ما عبدوهم، ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم "

، والمؤمنون قالوا: لله الخلق والأمر، فكما لا يخلق غيره، لا يأمر غيره. وقالوا: سمعنا وأطعنا، فأطاعوا كل ما أمر به. وقالوا: إن الله يحكم ما يريد. وأما المخلوق، فليس له أمر أن يبدل أمر الخالق تعالى، ولو كان عظيما. وكذلك في صفات الله تعالى، فإن اليهود وصفوا الله تعالى بصفات المخلوق الناقصة، فقالوا: هو فقير ونحن أغنياء. وقالوا: يد الله مغلولة. وقالوا: إنه تعب من الخلق فاستراح يوم السبت، إلى غير ذلك. والنصارى وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به. فقالوا: إنه يخلق ويرزق ويغفر ويرحم ويتوب على الخلق، ويثيب ويعاقب. والمؤمنون آمنوا بالله سبحانه وتعالى. ليس له سمي ولا ند.

ولم يكن له كفوا أحد

[الإخلاص: 4] و

ليس كمثله شيء

[الشورى: 11] فإنه رب العالمين، وخالق كل شيء. وكل ما سواه عباد له، فقراء إليه.

إن كل من في السموت والأرض إلا آتي الرحمن عبدا * وكلهم آتيه يوم القيامة فردا

[مريم: 93-95] ومن ذلك: أمر الحلال والحرام. فإن اليهود كما قال تعالى:

فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم

[النساء: 160] فلا يأكلون ذوات الظفر مثل الإبل والبط. ولا شحم الثرب - (الثرب: شحم رقيق يغشى الكرش والأمعاء وجمعه ثروب) - والكليتين، ولا الجدي في لبن أمه. إلى غير ذلك، مما حرم عليهم من الطعام واللباس وغيرهما. حتى قيل: إن المحرمات عليهم ثلاثمائة وستون نوعا. والواجب عليهم مائتان وثمانية وأربعون أمرا. وكذلك شدد عليهم في النجاسات حتى لا يواكلوا الحائض، ولا يجامعوها في البيوت. وأما النصارى فاستحلوا الخبائث وجميع المحرمات، وباشروا جميع النجاسات، وإنما قال لهم المسيح:

ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم

[آل عمران: 50]. ولهذا قال تعالى:

قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون

[التوبة: 29]. وأما المؤمنون فكما نعتهم الله به في قوله:

ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون * الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبآئث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون

[الأعراف: 156-157].

وهذا باب يطول وصفه. وهكذا أهل السنة والجماعة في الفرق. فهم في باب أسماء الله وآياته وصفاته، وسط بين أهل التعطيل، الذين يلحدون في أسماء الله وآياته، ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه حتى يشبهونه بالعدم والموات. وبين أهل التمثيل الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات. فيؤمن أهل السنة والجماعة بما وصف الله به نفسه، وما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم. من غير تحريف ولا تعطيل. ومن غير تكييف وتمثيل. وهم في باب خلقه وأمره وسط بين المكذبين بقدرة الله، الذين لا يؤمنون بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وخلقه لكل شيء. وبين المفسدين لدين الله، الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة ولا عمل فيعطون الأمر والنهي والثواب والعقاب، فيصيرون بمنزلة المشركين الذين قالوا:

لو شآء الله مآ أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء

[الأنعام: 148] فيؤمن أهل السنة بأن الله على كل شيء قدير، فيقدر أن يهدي العباد ويقلب قلوبهم، وإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. فلا يكون في ملكه ما لا يريد، ولا يعجز عن إنفاذ مراده، وإنه خالق كل شيء من الأعيان والصفات والحركات. ويؤمنون أن العبد له قدرة ومشيئة وعمل. وأنه مختار، ولا يسمونه مجبورا؛ إذ المجبور من أكره على خلاف اختياره، والله سبحانه جعل العبد مختارا لما يفعله، فهو مختار مريد. والله خالقه وخالق اختياره، وهذا ليس له نظير، فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وهم في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد، وسط بين الوعيدية الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار، ويخرجونهم من الإيمان بالكلية، ويكذبون بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وبين المرجئة الذين يقولون: إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء، والأعمال الصالحة ليست من الدين والإيمان، ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكلية، فيؤمن أهل السنة والجماعة بأن فساق المسلمين معهم بعض الإيمان وأصله، وليس معهم جميع الإيمان الواجب الذي يستوجبون به الجنة، وأنهم لا يخلدون في النار بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، أو مثقال خردلة من إيمان، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أدخر شفاعته لأهل الكبائر من أمته، وهم أيضا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم، وسط بين الغالية الذي يغالون في علي رضي الله عنه فيفضلونه على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ويعتقدون أنه الإمام المعصوم دونهما، وأن الصحابة ظلموا وفسقوا، وكفروا الأمة بعدهم كذلك، وربما جعلوه نبيا أو إلها.

محاسن التأويل · الصفحة ١٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٣٨