تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والوجه الثالث: هو الذي اختاره الإمام ابن جرير قال: أما معناه عندنا: ما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا ليعلم رسولي وحزبي وأوليائي: من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه. قال: وكان من شأن العرب إضافة ما فعلته أتباع الرئيس إلى الرئيس. وما فعل بهم، إليه. نحو قولهم: فتح عمر بن الخطاب سواد العراق وجبى خراجها، وإنما فعل ذلك أصحابه، عن سبب كان منه في ذلك. وكالذي روي في نظيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" يقول الله جل ثناؤه: مرضت فلم يعدني عبدي. واستقرضته فلم يقرضني "

فأضاف، تعالى ذكره، الاستقراض والعيادة إلى نفسه، وقد كان ذلك بغيره، إذ كان ذلك عن سببه.

قد حكى عن العرب سماعا: أجوع في غير بطني، وأعرى في غير ظهري، بمعنى جوع أهله وعياله عري ظهورهم. فكذلك قوله: ﴿ إلا لنعلم ﴾ بمعنى: يعلم أوليائي وحزبي. ا.ه. ﴿ وإن كانت ﴾ أي التولية إليها أو الجعلة أو التحويلة ﴿ لكبيرة ﴾ أي ثقيلة شاقة؛ لأن مفارقة الإلف، بعد طمأنينة النفس إليه، أمر شاق جدا، ﴿ إلا على الذين هدى الله ﴾ قلوبهم.

فأيقنوا بتصديق الرسول وأن كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه، وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم وما يريد. فله أن يكلف عباده بما شاء وينسخ ما يشاء، وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك، بخلاف الذين في قلوبهم مرض، فإنه كلما حدث أمر، أحدث لهم شكا. كما يحصل، للذين آمنوا، إيقان وتصديق، كما قال تعالى:

وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون

[التوبة: 124-125]. وقال تعالى:

وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا

[الإسراء: 82]. وقوله تعالى: ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم ﴾ هذا تطمين لمن صلى إلى بيت المقدس من المسلمين ومن أهل الكتاب قبل النسخ. وبيان أنهم يثابون على ذلك. وقد روى البخاري من حديث أبي إسحاق المتقدم عن البراء: وكان الذي مات على القبلة، قبل أن تحول قبل البيت، رجال قتلوا، لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله: ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ أي: صلاتكم، وإنما عدل إلى لفظ الإيمان، الذي هو عام في الصلاة وغيرها، ليفيدهم أنه لم يضع شيء مما عملوه، ثم يصح عنهم، فيندرج المسؤول عنه اندراجا أوليا ويكون الحكم كليا. وذكر بلفظ الخطاب دون الغائب، ليتناول الماضيين والباقين، تغليبا لحكم المخاطب على الغائب في اللفظ، وفي تتمة الآية إشارة إلى تعليل عدم الإضاعة، بما اتصف به من الرأفة المنافية لما هجس في نفوسهم من الإضاعة.

ولما انطوى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم على إرادة التوجه إلى الكعبة، لأنها قبلة أبيه إبراهيم ومفخرة العرب ومزارهم ومطافهم، ولمخالفة اليهود - أجابه الحق إلى ذلك بقوله:

﴿ قد نرى تقلب وجهك في السمآء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك... ﴾.

محاسن التأويل · الصفحة ١٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٤٠