تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رجال الحكومة والأغنياء أصحاب المركبات المختلفة، وكانت الخيام مصفوفة في

ذلك الميدان الفسيح كالمعسكرات وكلها مفروشة بالطنافس العجمية، فأوى إليها

الناس.

وأما الغرض من هذه المظاهرة فهو أن يرى الأمير فيصل أن الأمة كلها متفقة

على طلب الاستقلال المطلق من كل قيد لا ترضى بما دونه بديلا، وكان الشيخ

كامل وأركان الجمعية علموا أن الأمير جاء من أوربة متفقا مع فرنسة على نوع من

الوصاية، وقد كنت كتبت إليه من بيروت ما فهمته من حديث فيصل في هذه

المسألة وأنه يعتقد أنه يقدر أن يأخذ من زعماء البلاد تفويضا إلخ.

وبعد أن تم الاجتماع حضر الأمير فيصل ومعه أخوه الأمير زيد ورجال

حكومته والأمير نوري شعلان شيخ عرب الرولة وكان يكثر التردد عليه، والأمير

محمود الفاغور، وألقى الأستاذ الشيخ كامل خطبته الحماسية الضافية الذيول،

المتدفقة السيول، فأجابه الأمير عنها بأنه يؤيد الأمة في طلب الاستقلال المطلق،

وأنه لا ينال إلا بجيش قوي منظم، وهذا يتضمن الرد الخفي على الخطبة من غير

أن يؤخذ على الأمير شيء تفهم منه الأمة أنه يريد أو يرضى دون ما تريده أو

ترضاه.

ثم وضعت موائد الطعام فأكل الأمير والمدعوون ولم تقبل نفسي أن آكل شيئا

بل خفت ضرر البرد فعدت إلى البلد (دمشق) مع علي رضا باشا الركابي الحاكم

العام في سيارته.

(يوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى 10 فبراير) :

كان الأمير فيصل دعاني أمس الاثنين إلى الغداء معه اليوم لأجل أن نتكلم بعد

الغداء في سياستنا التي افتتحنا الحديث فيها، ثم عرض له بعد الغداء شغل فأخر

الحديث إلى الليل فسهرت معه وتكلمنا أولا بحضور أخيه الأمير زيد وقد بسطت

لهما ما دار بيني وبين والدهما في مكة وأهمه إقناعه بترك مسألة الخلافة (كما

نشرتها المنار من قبل ولا حاجة إليها هنا)

ثم تكلمنا في أمور أهمها ثلاث (إحداهما) اقتراحي عليه أن يسعى لجلب

عزيز علي بك المصري من أسبانية فوافقني على ذلك (والثانية) اختيار من نرسله

إلى ابن السعود بعد أن اتفقنا على أن يكتب إليه كل منا كتابا (والثالثة) مسألة

ارتيابه في بعض زعماء الحركة العربية وارتيابهم فيه وما في ذلك من الضرر.

وكنت عرفت هذا من قبل عودته من أوربة وتلاقينا في بيروت، وازددت به علما

في دمشق، ولما رأيت ما أوتيه من اللين والمرونة والاقتناع بالمعقول واغتباطه بأن

أعمل معه بالتعاون حاولت أن أوفق بينه وبينهم كما مهدت لهذا في بيروت.

فصرحت له في هذه الجلسة بأن الشيخ كاملا والدكتور شهبندر وخالدا أفندي الحكيم

من المخلصين في الخدمة الوطنية ويجب أن يكونوا موضع ثقته، ولم أكتم عنه ما

ينتقد على الثلاثة (هذا ما كتبته عقب الجلسة ولكني نسيت الآن ما قلته له في هذا) .

ومما قاله هو لي: إنه يود أن أبقى في الشام للعمل معه، وأن أكون الحجر

الأساسي في المسألتين الإسلامية والعربية لا العربية فحسب، وذلك أنني أقنعته بأن

هاتين المسألتين متلازمتان فلا يمكن تأسيس الوحدة العربية وإعادة مجد العرب

وحضارتهم إلا بالإسلام، ولا يمكن إعادة هداية الإسلام وإصلاحه للبشر إلا باللغة

العربية والأمة العربية.

وكلمني في نقل إدارة المنار والأسرة من مصر إلى الشام. فقلت له: إن هذا

ليس من المصلحة الآن وهو يقتضي نفقة كبيرة وإضاعة مركز عظيم ثابت إلى

مركز مضطرب حاضره، مجهول مستقبله، ولكنني أترك الإدارة والدار والأعمال

الخاصة والآل في مصر وأبقى الآن في دمشق إلى أن يتم ما اعتزمناه ثم نرى ما

تقتضيه المصلحة بعد. وأعني بما اعتزمناه جمع المؤتمر العام وإعلان الاستقلال

التام، وكنت أول من اقترح هذا على خواص إخواننا من حزب الاستقلال.

(يوم الأربعاء 21 جمادى الأولى 11 فبراير)

تفارقنا أمس على أن نعود قبل ظهر اليوم (الأربعاء) للمضي في الحديث

الذي ابتدأناه، وقد عدت في ضحوة النهار، وزاره وأنا معه كاتب أميركاني يراسل

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٢٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٢٧٧