تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فاعلا، ومن أجاز إيرادها مفعولا به كابن هشام اعتمد على ما وقع في يده من الشواهد

التي منها قول الشاعر:

فيصدر عنها كلها وهو ناهل ...

ومما يجري على هذا الأصل قولهم: إن (كافة وقاطبة وطرا) لا تخرج عن

الحالية. وعن ابن هشام في (أوهام الزمخشري) تخريج قوله تعالى: {وما

أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا} (الإسراء: 105) على أن (كافة) نعت لمصدر

محذوف، والتقدير: رسالة كافة، ومن نازع في اختصاصها بالحالية يستشهد بمثل

قول عمر بن الخطاب: لقد جعلت لآل بني كاهلة على كافة بيت مال المسلمين لكل

عام مائتي مثقال ذهبا. وحاول الشهاب الخفاجي هدم هذا الأصل فقال في شرح

الدرة: إن (كافة) ورد عن العرب بمعنى (جميع) لكنهم استعملوه منكرا منصوبا

وفي الناس خاصة، ومقتضى الوضع أنه لا يلزمه ما ذكر فيستعمل كما استعمل

(جميع) معرفا ومنكرا بوجوه الإعراب، وفي الناس وغيرهم؛ لأنا لو اقتصرنا في

الألفاظ على ما استعملته العرب العاربة والمستعربة حجرنا الواسع وعسر التكلم

بالعربية على من بعدهم، وهذا الرأي لا يؤخذ به على الإطلاق ويستضاء به في كل

حال؛ فإنه لا يطابق ما قاله أساتيذ العربية من أن معرفة الوضع غير كافية ما لم

ينضم إليه العلم بحال الاستعمال، قال ابن خلدون في المقدمة: ليس معرفة الوضع

الأول بكاف في التركيب حتى يشهد له استعمال العرب لذلك، وأكثر ما يحتاج إلى

ذلك الأديب في فني نظمه ونثره حذرا من أن يكثر لحنه في الموضوعات اللغوية في

مفرداتها وتراكيبها وهو شر من اللحن في الإعراب وأفحش.

ولو اقتدينا بالشهاب وسرنا على أثر مقالته التي لم يرسم لها حدا لعمدنا إلى

مثل (قط وقبل وعند) وأخرجناها عن الظرفية إلى الابتداء أو الفاعلية، ولا أحسبه

يرضى للغة هذه الفوضى فيفصم نظامها وهو يريد توسيع نطاقها.

والتحقيق في هذا المطلب أن ما يصلح أن نجريه على القاعدة في الإعراب

نوعان:

أحدهما: ما يدور على ألسنة الفصحاء وغيرهم ويجري في خطاباتهم بحالة

خاصة من الإعراب مثل (عند وقبل وبعد وقاطبة وطرا) وهذا هو الذي نقف فيه

عند السماع، فإن كثرة دورانه في مجاري كلامهم نظما ونثرا وتقلبه في أساليبهم

بحالة مخصوصة يشعر بقصدهم إلى تخصيصه بتلك الحالة الإعرابية، وما كان

ينبغي لنا في هذا القسم إلا أن نتحرى الطريقة المألوفة في استعماله.

ثانيهما: ما لا يتردد في أغلب خطاباتهم وإنما يرد نادرا أو كثيرا ولكن لم

يصل إلى مبلغ يدل على قصدهم إلى قصره على الحالة التي جاءت بها الرواية،

وهذا هو الذي يسوغ لنا أن نخرج عن حالته الواردة ونستعمله في المواضع التي

يساعد عليها الوضع، فلو لم نسمع لفظ الضرغام أو اللوذعي أو الفيصل مثلا إلا

فاعلا أو مفعولا كان لنا إيراده في تراكيب من عندنا مضافا إليه أو مبتدأ أو خبرا.

فيتضح بهذا التفصيل مذهب الجمهور ووجه مأخذه، ويمكنك أن تقضي به على

مقالة الشهاب حيث أباح خروج (كافة) عن الحالية بمجرد النظر إلى حال الوضع،

فإن هذه الكلمة من القسم الأول قطعا، فيجب على القائل بصحة استعمالها فاعلا أو

مفعولا مثلا إقامة شاهد على ذلك ولا يكفيه التمسك بأنها قابلة لهذه المواقع بحسب

وضعها.

(يتبع)

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: حسني عبد الهادي

-----------------

<span class="footnote">

من الخرافات إلى الحقيقة [*]

(1)

مقدمة

سيدي نابغة المسلمين:

دعاني إلى ترجمة الكتاب المسمى

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٣٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٣٣١