تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأقاما على ذلك شواهد، مثل قول حسان:

ولو أن مجدا أخلد الدهر صاحبا ... من الناس أبقى مجده الدهر مطعما

ومنعه الجمهور في حال السعة وحملوا تلك الشواهد على الشذوذ أو الضرورة

ومنزعهم في عدم قبول هذه الشواهد أنها جاءت على خلاف الأصل، وما يرد

على خلاف الأصل لا يجعل مقيسا إلا حيث تكثر شواهده حتى تدل على قصد

العرب لاطراده.

ومما يتناوله الأصل المومأ إليه أن المستثنى أخرج من المستثنى منه ثم نسب

الحكم إلى بقية الأفراد فكان المستثنى في الظاهر مخرجا من الحكم أيضا ومرتبة

المخرج متأخرة عن مرتبة المخرج منه، فكان موقع المستثنى بعد اللفظ بالحكم

والمستثنى منه، ولكن كثر في الاستعمال تقدمه على المستثنى منه نحو: جاءني إلا

زيدا القوم، أو على الحكم فقط، نحو: القوم إلا زيدا إخوتك، فبقيت مسألة تقدمه

عليهما معا على أصل المنع، وقد جوزها الكوفيون قياسا، والحق أن مخالفة

الأصل بكل واحد من أمريه على انفراده لا تدل على جواز مخالفته بالأمرين كليهما

في تركيب واحد.

يتفاوت ارتباط بعض الكلم ببعض من جهة المعنى في القوة والضعف، وهذا

التفاوت له مدخل في باب القياس، ألا ترى ابن جني كيف أجاز تقديم المفعول معه

على مصاحبه، ومنع تقديم المعطوف على المعطوف عليه؟ والأمثلة الشاذة الواردة

في تقديم المفعول معه ليست بأكثر من الأمثلة الواردة في تقديم المعطوف، ولكنه

يرى أن تبعية المعطوف للمعطوف عليه أشد من تبعية المفعول معه لمصاحبه.

القياس في الفصل

الأصل في الألفاظ المربوط بعضها ببعض من جهة المعنى أن لا يلقى بينها

بفاصل، وقد خالفوا هذا الأصل في مواضع شتى حتى عد بعضها في فنون البلاغة،

كالفصل بين مفعولي رأيت في مثل قول الشاعر:

ويمتحن الدنيا امتحان مجرب ... يرى كل ما فيها وحاشاك فانيا

أو بين النعت والمنعوت كما قال تعالى: ﴿وإنه لقسم لو تعلمون عظيم﴾ (الواقعة: 76) ويجب النظر في قوة الارتباط وضعفه في هذا المقام أيضا، فيكفي

من الشواهد الواردة في الفصل بين ما ضعف ارتباطهما ما لا يكفي في الفصل بين

ما كان الارتباط بينهما قويا، ولهذا تلقوا ما سمعوه من الفصل بين التابع والمتبوع

بالقياس واختلفوا فيما ورد من الفصل بين المضاف والمضاف إليه، فأجاز بعضهم

الفصل بينهما بالقسم والظرف والمفعول على وجه القياس ومنعه آخرون بدعوى أن

الفصل الوارد في السماع محمول على الشذوذ أو الضرورة، ولا منشأ لهذا

الاختلاف.

وعدم اكتفائهم بما وصل إليهم من الشواهد فيما أحسب إلا اعتقادهم بأن كلمتي

المضاف والمضاف إليه قد بلغتا في شدة ارتباطهما إلى أن صارا بمنزلة الكلمة

الواحدة، وربما اكتفوا بمقدار هذه الشواهد في الفصل بين التابع والمتبوع؛ لأن

الارتباط بينهما لا ينتهي إلى هذه الدرجة ويدلك على رعايتهم لشدة الارتباط أنهم

أطبقوا على منع الفصل بين الموصول الحرفي وصلته متى كان الموصول عاملا مثل

(إن) واختلفوا حيث يكون الموصول غير عامل مثل (ما) فأجاز كثير منهم الفصل

بينها وبين صلتها؛ وذلك لأن الموصول العامل أشد اتصالا بصلته من غير العامل؛

إذ الأول طالب للصلة من جهة المعنى والعمل، وأما الثاني فطلبه لها من جهة واحدة

وهي الموصولية.

القياس في الحذف

من الجلي أن حذف أحد أجزاء الجملة يغير أسلوبها ويحدث فيها هيئة جديدة

والمحافظة على الأسلوب العربي تقتضي أن لا يلفظ الإنسان بعبارة إلا أن تجيء

مطابقة للهجة العربية، وهذا الأصل هو الذي يتمسك به من لا يجيز حذف لفظة

حيث لم يثبت عنده بدليل يعتد به كما منع الجمهور حذف الفاء، والبصريون حذف

الموصول، وابن ملكون حذف أحد مفعولي (ظننت) ولو مع قيام القرينة على

المحذوف.

قد يقال: إن العرب أكثروا من حذف ما تقوم عليه القرينة كالمضاف

والمضاف إليه والمبتدأ والخبر والمفعول به والمعطوف والمعطوف عليه والحال

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٣٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٣٢٩