الذي تستقيم معه الأقيسة الصحيحة.
شروط صحة القياس
إذا تتبعنا ما يتشبث به القادحون في مسائل هذا الضرب من القياس رأيناه
يدور على ثلاثة وجوه:
(أحدها) بيان الفرق بين المقيس والمقيس عليه.
(ثانيها) الاختلاف في حكم المقيس عليه.
(ثالثها) مخالفة حكم المقيس عليه للأصول.
فالقياس مع الفارق كما أجاز بعضهم تقديم الفعل المنفي ب (لن) قائلا: إن
(لن أضرب) نفي ل (سأضرب) فكما جاز: زيدا سأضرب، زيدا لن أضرب،
وما كان من المنكرين لهذا القياس سوى أن تعرضوا للتفريق بين (السين ولن) بأن
حرف النفي يقتضي الصدارة في الجملة التي يدخلها، وذلك معنى يمتاز به دون حرف
التنفيس.
والقياس على المختلف فيه، كما ألحق الكوفيون فعل التعجب بأفعل التفضيل
في جواز بنائه من لوني البياض والسواد، وقد رده البصريون بأنه قياس على مختلف
فيه؛ إذ هم لا يوافقون على صوغ اسم التفضيل من الألوان وكأنهم نحوا في هذا
المبحث منحى القياس الفقهي، وقد ذهب فريق من الأصوليين إلى صحة القياس على
المختلف فيه؛ لأنه وإن لم يكن دليلا مسلما عند المخالف يصلح أن يكون مستندا لمن
يتقرر عنده حكم الأصل بحجة راجحة.
والقياس على ما خالف القياس - كما قال الكسائي - لا يقتصر في الظروف
الواردة أسماء أفعال نحو (عليك وإليك) على ما ورد في الرواية، بل يجوز أن يقاس
عليها غيرها مما لم يرد به سماع، وطعن البصريون في هذا المذهب بأن تلك
الظروف وقعت موقع الأسماء على خلاف أصلها، وما جاء على خلاف الأصول لا
يصح القياس عليه بحال، وأجاز ابن مالك جمع (حم) بالواو والنون، مع اعترافه
بأنه لم يسمع، فقال أبو حيان: إن إجازته لذلك إنما هو بالقياس على (أب) وينبغي
أن يمتنع لأن جمع (أب) وارد على وجه الشذوذ، فلا يصح القياس عليه.
والتحقيق أن الأصول التي يجيء الحكم على خلافها تتفاوت في القوة والضعف،
فالأصل الذي يمنع من الزيادة - وهو أن الألفاظ إنما وضعت لإفادة المعاني - أقوى
من الأصل الذي يمنع من تقديم المعمول على العامل، ولهذا كانت مخالفة العرب
لقانون تقديم العامل أكثر من مخالفتهم لقانون المنع من الزيادة، فيترجح امتناع زيادة
(كان) في صدر الكلام أو آخره قياسا على زيادتها في الوسط، وليس من البعيد
جواز تقديم الخبر في باب (زال) الناسخة؛ قياسا على تقديم المعمول الثابت على
خلاف القياس.
***
المقالة الثالثة في المباحث المشتركة
القياس في الاتصال
خصت العرب بعض الأدوات بالدخول على أنواع من الكلم لا تتجاوزها، مثل
الأسماء تختص بحروف الجر والنداء، والمضارع يختص بنحو (لم وكي) وأبقت
بعضها دائرا بين نوعين نحو (هل وهمزة الاستفهام) يوصلان بالأسماء والأفعال،
و (أن ولو) الشرطيتين يدخلان على الأفعال الماضية والمستقبلة، فإذا وردت كلمة
من أمثال هذه الأدوات مقرونة بنوع خاص من الكلم فليس لنا أن نخرج به عن دائرة
السماع، ومثال هذا (لما) الحينية إنما جاءت موصولة بالفعل الماضي فلا يسوغ لنا
أن نلصق بها فعلا مضارعا كما صنع ابن أبي حجة في قوله:
والنبت يضبطها بشكل معرب ... لما يزيد الطير في التلحين
وإذا دارت الكلمة في كلام العرب بصورة المضاف ولم تأت في الرواية
موصولة ب (ال) المعرفة قط، فليس لنا أن نقطعها عن الإضافة ونصلها بأداة
التعريف مثل لفظ (كل وبعض وغير) .
فإن قال قائل: إن هذا الحجر يقتضي أن لا تدخل ال على اسم إلا إذا سمع
اتصالها به في الفصيح من كلام العرب، ومن المتعذر أن يتتبع واضع القاعدة
جميع الأسماء العربية ليتحقق هل نطقوا بها مقرونة ب (ال) أم لا، فالجواب أنا
لا ندعي أن هذه الكلمات لم يستثنها النحاة إلا بعد أن أتوا على جميع المفردات مفردا
مفردا، وإنما جاء استثناؤها من جهة أنها دائرة على ألسنة الفصحاء بكثرة حتى لا
تكاد تمر بقصيدة أو خطبة أو محاورة دون أن يعترضك شيء منها، فعدم استعمالها