تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونزيدكم على ذلك أن علماء الأزهر نظروا في ذلك وأقروا ما أقروه فيه بطلب

أمير البلاد بناء على اعتبارهم أنها بحسب حالها الشرعية دار إسلام، وكان ذلك

قبل الحرب الأخيرة ووضع مصر تحت الحماية الأجنبية التي لا يعترفون بها

ببضعة عشر عاما، وبلاد جاوه ليست دار إسلام ولا تجري فيها المعاملات المالية

على الشريعة الإسلامية، فلا يجب على المسلم فيها أن يلتزم في هذه المعاملات مع

الحكومة الهولندية أو الشركات الهولندية أو الأفراد أحكام شريعته في الربا وعقود

البيع والإجارة والقروض وغيرها، بل يحل له أن يأخذ من أموالهم ما تبيحه له

شرائعهم وقوانينهم وما كان بتراض منه ومنهم دون ما كان بخيانة.

ثم إن الربا إنما يتحقق في عرف الفقهاء بالعقد الذي يشترط فيه من يعطي

المال أن يأخذ عليه ربحا معينا، فمن أقرض رجلا مالا بغير عقد ولا شرط فرده

إليه وزاده من غير اشتراط زيادة كان ذلك حلالا، وقد ثبت في الحديث الصحيح

استحباب ذلك كما بين في محله من صحيح البخاري وغيره، وحديث: (كل

قرض جر منفعة فهو ربا) غير صحيح كما بينا ذلك من قبل.

فعلم بهذا أن للجاويين وأمثالهم عدة وجوه لوضع شيء من أموالهم في صندوق

التوفير الذي وضعته حكومتهم وأخذ الربح منها، ومثله وضع المال في مصارفهم

المالية وأخذ الربح منها كما يفعل مسلمو الصين، ومما يبعث العجب من حال كثير

من المسلمين أنهم قد اختاروا لأنفسهم بلبسهم الدين مقلوبا كالفرو أن يقترضوا المال

من الأوربيين بالربا ولا يقرضوهم، ويودعوا أموالهم في مصارفهم (البنوك)

ليستغلوها ولا يستبيحون لأنفسهم أن يشاركوهم في شيء من ربحها، ومعنى هذا

أنهم يفهمون من دينهم أنه أباح لهم أن يتلفوا ثروتهم ويعطوها للأجانب حتى

الفاتحين منهم لبلادهم باسم الفتح أو الاستعمار أو باسم آخر وحرم عليهم أن ينتفعوا

بشيء منهم ولو كان برضاهم، وبعض ثمرة ما أعطوهم من المال، وأعجب من

هذا أن منهم من يشكو من شرع دينه ويزعم أنه لا ينطبق على مصلحة الأمة في

هذا العصر وأن تركه إلى شرائع تلك الأمم أنفع لهم وإنما الأمر بضد ذلك، فقاعدة

الشرع الإسلامي أنه لا حرام إلا ما كان ضارا ومنه إضاعة المال، ولو عرف

المسلمون حقيقة شرعهم والتزموا أحكامه لكانوا أغنى الأمم وأعزها ولما أضاعوا

ملكهم وملكهم، وإنما أضاعوهما بجهله وترك العمل به، والذنب الأكبر في هذا

على علمائهم الجامدين، وحكامهم الجاهلين أو المارقين.

هذا وإن على المسلمين أن يراعوا في غير دار الإسلام أحكام دينهم وحكمه

فيما بينهم حتى في المعاملات، فلا يباح للموسر منهم أن يقسو على المحتاج إذا

اقترض منه فيستغل ضرورته أو حاجته بما تبيح له قوانين البلاد من الربا.

والفرق بين هذا وبين ربح صندوق التوفير والمصارف المالية عظيم جدا،

فإن الربا إنما حرم في دار الإسلام لضرره كما علله تعالى بقوله: {وإن تبتم فلكم

رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون} (البقرة: 279) وليس في أخذ الربح من

صندوق التوفير والمصارف ظلم لأحد ولا قسوة على محتاج حتى في دار الإسلام،

وقد فصلنا القول في الربا هذا في تفسير آية آل عمران فيه، فليراجع.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: أحمد كمال

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٣٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٣٢٤