ومن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه ما لا يرى
للخمر مضار في الأفراد والجماعات من صحية وعقلية واقتصادية وأدبية إلخ،
وقد ذمها كل عاقل حتى من كان ولوعا بها، وها نحن أولاء نذكر أهم أضرارها:
أضرار الخمر الجسدية
1- منها الخمول والهبوط اللذان يحدث منهما زيادة التنبه في الأعصاب
ويهبان بالسكر فيتناول شيئا من الخمر فينهض به من خموله ويرفع من هبوطه
الجسدي والعصبي ولسان حاله ينشد قول أبي نواس:
وداوني بالتي كانت هي الداء ...
ولكنه لا يلبث أن يعود فيتولاه الخمول والانحطاط ثانية بحكم رد الفعل.
وبحكم أن بعض المدمنين من الغربيين قال عن نفسه أن أول كأس شربها إنما
كانت ليزيل بها هما عراه، وكل ما شربه بعدها كان ليزيل به ما أسأرته الكأس
الأولى من الهموم قال المتنبي:
إذا استشفيت من داء بداء ... فاقتل ما أعلك ما شفاكا
وقد سبقه إلى ذلك المدمن العربي القائل:
وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها
2- ومنها فساد المزاج واعتلال الصحة؛ لأنها تحدث أمراضا مهلكة وأدواء
معضلة (منها) السل الرئوي الذي قيل: إن سبع الوفيات في العالم بسببه، وإن
ستين في المائة من أموات أبناء العشرين من المسلولين، وكأمراض الكبد والرئتين
والكليتين، وقد قال أحد الأطباء: إن تسعة أعشار المصابين بهذا المرض من
السكارى والسكر هو السبب في مرضهم (ومنها) أمراض النخاع الشوكي
والعضلات الدموية مما يتسبب منه الرئية (الروماتيزم) وتصلب الشرايين (ومنها)
فقر الدم، ومنها تلبك المعدة؛ لأن السكير يكثر أكله ويضعف هضمه (ومنها)
تمدد المعدة واسترخاؤها.
***
أضرار الخمر العقلية
1- من أضرار الخمر العقلية الخمار (بوزن غراب) الذي يدعو الشارب
إلى المعاودة فالإدمان.
2- ومنها فساد الأخلاق لاختلال اعتدال القوى النفسية.
3- ومنها اختلال نظام العقل فالانفلات من كل قيد من قيود الوقار والحكمة.
وما أحسن ما أجاب به مجنون دعاه سلطان الذي شرب الخمر ليشربها معه فقال:
(أنت شربتها لتكون مثلي، فأنا أشربها لأكون مثل من؟)
بل هي جنون، قال ابن الوردي:
واهجر الخمرة إن كنت فتى ... كيف يسعى في جنون من عقل
4- ومنها الذهول العصبي والنوبات الهستيرية.
أضرار الخمر الاجتماعية
1- من أضرار الخمر الاجتماعية ضعف النسل فانقراضه؛ لأن مدمني الخمر
كثيرا ما يصابون بالعقم، ومن يلد منهم فإنما يلد نسلا ضعيفا دميما أو أبله معتوها،
وقد يتدلى النسل حتى ينقرض، وقد قال بعض ساسة الأوربيين وحكمائهم: إن
انقراض الأمم المتوحشة سيكون بفتك الأشربة الروحية بهم.
2- ومنها فساد التربية المنزلية؛ لأن السكير لا يلتفت إلى تربية أولاده، وإذا
وكل أمر تربية الأولاد إلى المربين ذهبت مقومات الأمة وتقاليدها خصوصا في بلاد
كهذه البلاد التي يقصد بتربية ناشئتها إلى تربية خاصة تمسخ الأمة مسخا وتجعلها
بين بين، فلا هي جاهلة ولا هي متعلمة، وتحملها أوزارا من زينة الأوربيين
وأزيائهم تكون هي الذاهبة بمشخصاتهم ومقوماتهم.
3- ومنها سد باب النبوغ والاختراع في الصناعات والزراعة؛ إذ إن السكارى
لا يشغلهم شاغل عن مواصلة الشرب، فإن كان السكير من أرباب المصانع فسد
نظام مصنعه، وإن كان من أصحاب الأرض اختل نظام زراعتها، فإننا نرى كثيرا
من أهل الثراء الذين لا يعرف السكير منهم موضع أرضه ولا ماذا أصلح فيها الزراع
أو أفسدوا، ومنهم من لا يعلم من أحوال ملكه شيئا، أو يكل ذلك إلى مدير العمل
والكاتب والجابي، وكثيرا ما أثرى أمثال هؤلاء من غفلة أولئك الذين أصبحوا فقراء
لم ينالوا من ثروتهم إلا ما تعودوه من السكر الذي يلجئهم إلى التسول، ومنهم كثير في
مصر تعرفهم بسيماهم، نرى أمثال هؤلاء وهم على ما وصفنا.
4- ومنها إيقاع العداوة والبغضاء بين أعضاء الأسرة الواحدة وأفراد الأمة مما
يفكك روابطها ويفت في عضدها، ويجعل بأسها بينها شديدا، فكم تقاطع الأخوان