ومتنزهاتها يركبن مع الرجال في المركبات، أو يماشينهم في الطرقات، ومنهن
السافرة عن وجهها، والمخاصرة لخدنها، وإذا سمعت أخبار بيوت السر من وقائع
الشحنة (البوليس) ، أو المختبرين تعلم أن هذه البيوت النجسة كثيرة جدا، وأن
أخدانها من النساء (المحجبات) ، وعشاقهن من الأفندية، والبكوات، والباشوات،
يعدون بالألوف، لا بالمئات، دع ذكر الذين يذهبون بنسائهم إلى أوربة، فيلبسن
مدة سفرهن ملابس الإفرنجيات كما يفعل رجالهن، ويجتمعن معهم، أو منفردات
عنهم بالرجال في المطاعم، والملاهي، والملاعب، والمراقص، ودع ذكر الذين
يدخلون أصدقاءهم من الرجال على نسائهم في بيوتهم، ويأمرونهن بمجالستهم،
ومؤاكلتهم وهن حاسرات عن رؤسهن، مبديات لنحورهن، لا سافرات عن
وجوههن فقط، بل أقول لك همسا، ما أخجل أن أجهر به جهرا: إن المخادنة
ذائعة بين التلاميذ والتلميذات.
كل هذا كثير شائع في مصر، فما الذي بقي ممنوعا من اختلاط النساء
بالرجال، حتى قام بعض الشبان والشواب ينشدونه ويجاهدون في سبيله في هذه
الأيام، التي صدعت بناء الإنسانية أعظم صدع، وحصرت هم الشعوب كله في
الخوف على استقلالها في الشرق والغرب؟
إنما بقي شيئان اثنان:
(أحدهما) أن العرف يحظر على الرجل الأجنبي أن يخلو بامرأة أجنبية من
هؤلاء المدنيات (كما يحظر الشرع الخلوة بكل أجنبية بغير عذر شرعي) أو يطلب
الانفراد بها بزيارة أو غير زيارة، فمخالفة هذا لا تزال تعد قبيحة في العرف،
فلا تقع من غير المتهتكين إلا خفية.
(ثانيهما) إن هؤلاء النساء لا يجالسن الرجال في مجالسهم الخاصة في
البيوت، ولا العامة في المجامع والملاهي، إلا من شذ.
أما إباحة خلوة المرأة بالرجل إباحة مطلقة بغير نكير فلا يكاد يذكرها محاربو
الحجاب في مقالاتهم، إذ لا يجدون شبهة يزينونها بها، وإنما يكثرون اللغط في
مجالسة النساء للرجال في المجالس الخاصة، والمجامع العامة زاعمين أن ذلك
يرقي عقول النساء، ويزيد في علومهن وآدابهن، وهذه أظهر شبهاتهم في هذا الباب،
وقد أشرعنا لها طريقا لا ينكره عرف ولا شرع فيما كتبناه في المجلد الثاني من
المنار تقريظا لكتاب تحرير المرأة، وهو أنه يمكن تحصيل هذه الفائدة بمجالسة
النساء في البيوت لمحارمهن من الرجال، كالإخوة، والأعمام، والأخوال، وأولاد
الإخوة والأخوات، وبقضاء الأزواج أوقات فراغهم مع نسائهم في البيوت، فلماذا
يترك هذا مدعو الحرص على فائدة الاختلاط إن كانوا صادقين؟
وأما المجامع العامة فقلما يوجد في مصر منها ما يفيد النساء فائدة تستحق كل
هذا الجهاد، فالمجامع العامة الدائمة هي المعروفة بالقهاوي والحانات، وغير
الدائمة منها هي المآتم والأعراس، وقد وجد في البلاد قليل من الأندية الخاصة،
وأحاديث الناس فيها كأحاديثهم في الملاهي العامة من كل وجه، ولكن تلقى فيها
أحيانا بعض الخطب والمحاضرات التي لا يفهم بعضها إلا القارئات، وهذه
المحاضرات تنشر غالبا في الصحف، فيمكن لمن يستفدن منها أن يقرأنها فيها،
ولا فائدة للنساء في مجامع الرجال سواها، ولكنها لا تخلو من مفاسد.
غشيان النساء لهذه المجامع، من أقوى الوسائل لتعرف الفساق بهن وإغوائهم
إياهن، والفساق هم الذين يحرصون على هذا الاجتماع بالنساء في الغالب، أما
أهل الفضائل والآداب الصحيحة فقليل ما هم، وأكثرهم - ولا كثرة فيهم - لا يحب
هذا الاختلاط ولا يميل إليه، فإن وجد فيهم من يرغب فيه للإصلاح الخالص من
شوائب الهوى، فمن ذا الذي يعرف هؤلاء الأفراد وهم أندر من الكبريت الأحمر؟
وكيف السبيل إلى جمعهم في أندية خاصة يختلف النساء إليها دون غيرها لأجل
ترقية أفكارهن وآدابهن.
إلى متى نغش أنفسنا، ونتعامى عن فساد الأخلاق والآداب الغالب على نابتتنا،
الذي لم يزدد مع تربية التفرنج إلا تفاقما واستشراء؟ أنبذل هذه الصبابة الباقية