الوطن - ولذلك قال أبقراط: يداوى كل عليل بعقاقير أرضه، فإن الطبيعة تتطلع
لهوائها، وتنزع إلى عذائها، وقال أفلاطون: غذاء الطبيعة من أنجع أدويتها، وقال
جالينوس: يتروح العليل بنسيم أرضه - كما تتروح الأرض الجدبة ببلل
القطر.
والقول في حب الناس الوطن، وافتخارهم بالمحال قد سبق، فوجدنا الناس
بأوطانهم أقنع منهم بأرزاقهم، ولذلك قال ابن عباس: لو قنع الناس بأرزاقهم،
قناعتهم بأوطانهم ما اشتكى عبد الرزق، وترى الأعراب تحن إلى البلد الجدب،
والمحل القفر، والحجر الصلد، وتستوخم [21] الريف حتى قال بعضهم:
أتجلين في الجالين أم تتصبري ... على ضيق عيش والكريم صبور
فبالمصر برغوث وحمى وحصبة ... وموم وطاعون وكل شرور [23]
وبالبيد جوع لا يزال كأنه ... ركام بأطراف الأكام تمور [24]
وترى الحضري يولد بأرض وباء وموتان وقلة خصب، فإذا وقع ببلاد
أريف من بلاده، وجناب أخصب من جنابه، واستفاد غنى حن إلى وطنه ومستقره
ولو جمعنا أخبار العرب وأشعارها في هذا المعنى لطال اقتصاصه، ولكن
توخينا تدوين أحسن ما سنح من أخبارهم وأشعارهم، وبالله التوفيق.
ومما يؤكد ما قلنا في حب الأوطان قول الله - عز وجل - حين ذكر الديار
يخبر عن مواقعها من قلوب عباده فقال: {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو
اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم} (النساء: 66) ، فسوى بين قتل أنفسهم
وبين الخروج من ديارهم، وقال تعالى: {وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد
أخرجنا من ديارنا وأبنائنا} (البقرة: 246) وقال الأول: عمر الله البلدان بحب
الأوطان، وكان يقال لولا حب الناس الأوطان لخربت البلدان، وقال عبد الحميد
الكاتب: وذكر الدنيا: نفتنا عن الأوطان، وقطعتنا عن الإخوان، وقالت الحكماء:
أكرم الخيل أجزعها من السوط، وأكيس الصبيان أبغضهم للكتاب، وأكرم الصفايا
أشدها ولها إلى أولادها، وأكرم الإبل أشدها حنينا إلى أوطانها، وأكرم المهارى
أشدها ملازمة لأمها، وخير الناس آلفهم للناس.
وقال آخر: من أمارات العاقل بره لإخوانه، وحنينه إلى أوطانه، ومداراته
لأهل زمانه، واعتل أعرابي في أرض غربة فقيل له: ما تشتهي؟ فقال حسل [25]
فلاة وحسو [26] قلات [27] . وسئل آخر فقال: مخضا [28] رويا، وضبا مشويا،
وسئل آخر فقال: ضبا عنينا أعور، وقالت العرب: حماك أحمى لك، وأهلك
أحفى بك، وقيل الغربة كربة، والقلة ذلة، وقال:
لا ترغبوا إخوتي في غربة أبدا ... إن الغريب ذليل حيثما كانا
وقال آخر: لا تنهض عن وكرك فتنغصك الغربة، وتضيمك الوحدة، وقال
آخر: لا تجف أرضا بها قوابلك [29] ، ولا تشك بلدا فيه قبائلك، وقال أصحاب
القيافة [30] في الاسترواح: إذا أحست النفس بمولدها؛ تفتحت مسامها فعرفت
النسيم.
وقال آخر: يحن اللبيب إلى وطنه، كما يحن النجيب [31] إلى عطنه، وقال:
كما أن لحاضنتك حق لبنها، كذلك لأرضك حق وطنها، وذكر أعرابي بلده فقال:
رملة كنت جنين ركامها، ورضيع غمامها، فحضنتني أحشاؤها، وأرضعتني
أحساؤها [32] ، وشبهت الحكماء الغريب باليتيم اللطيم [33] الذي ثكل [34] أبويه، فلا أم
ترأمه [35] ، ولا أب يحدب عليه [36] ، وقالت أعرابية: إذا كنت في غير أهلك؛ فلا
تنس نصيبك من الذل، قال الشاعر:
لعمري لرهط المرء خير بقية ... عليه وإن عالوا به كل مركب
إذا كنت في قوم عدا لست منهم ... فكل ما علفت من خبيث وطيب [37]
وفي المثل أوضح من مرآة الغريبة - وذلك أن المرأة إذا كانت هديا في غير
أهلها تتفقد من وجهها وهيئتها ما لا تتفقده وهي في قومها وأقاربها - فتكون مرآتها
مجلوة تتعهد بها أمر نفسها وقال ذو الرمة:
لها أذن حشر وذفرى أسيلة ... وخد كمرآة الغريبة أسجح [38]
-----------------
<span class="footnote">
(1) يحدو، حداه على الأمر: بعثه إليه.
(2) النزاع إلى الشيء: الاشتياق إليه.