أقوى من هاضوم المعدة المسمى ببسين بكثير (الثانية) الهاضوم النشوي: وهو
الذي يحول المواد النشوية إلى سكر الشعير، وهو أيضا أقوى بكثير من (اللعابين)
حتى أنه يؤثر في النشاء غير المطبوخ، ولا يوجد هذا الهاضوم في أمعاء الأطفال
الرضع قبل الشهر السادس، ولذلك كان من الخطر عليهم أن يطعموا أي مادة
نشوية كالبطاطس والخبز؛ فإن ذلك يفسد جهازهم الهضمي، ويضعف صحتهم؛
فيصابون كثيرا بالإسهال وغيره، وبداء الكساح (rickets) (الثالثة) الهاضوم
الشحمي: ووظيفته أن يحدث مستحلبا مع المواد الشحمية أو الدهنية، ويحللها أيضا
إلى جلسرين [16] ، وحوامض شحمية، وكلاهما سهل الامتصاص، وقد يتحد بعض
هذه الحوامض مع البوتاسيوم أو الصوديوم فيتكون من ذلك الصابون، والصابون
أيضا سهل الامتصاص، فإذا امتصت هذه الأشياء عادت إلى شحم كما كانت
(الرابعة) خميرة تشبه الأنفحة وظيفتها تحويل اللبن إلى جبن، وهذه أقل الخمائر
المذكورة تأثيرا في الهضم.
والعصير البنكرياسي قلوي التأثير بخلاف العصير المعدي فإنه حمضي.
أما الكبد فهي أكبر عضو في الجسم، موضعها الجهة اليمني من البطن تحت
الحجاب الحاجز مباشرة، ولها وظائف عديدة فهي تفرز المرة (الصفراء) ، وتخزن
فيها أكثر المواد السكرية وبعض الزلالية بعد أن تتحول إلى النشاء الحيواني
(جليكوجين) لحين الحاجة إليها؛ فتحولها ثانية إلى سكر يخرج منها مع الدم ليحترق
في الجسم خصوصا في عضلاته، وهذه الوظيفة هي من أكبر وظائفها، وتكون
أيضا حامض البوليك والبولينا لتفرزهما الكلى، ولولا ذلك لتراكمت بعض المواد
الضارة بالجسم.
ومن وظائفها أيضا أنها تصفي المواد التي انهضمت في الأمعاء وتنقيها من
الميكروبات، ومن بعض السموم، وذلك أثناء مرورها فيها، ولذلك اقتضت الحكمة
الإلهية أن تجتمع جميع الأوردة الآتية من القناة الهضمية، ويتكون منها وريد واحد
هو الوريد الذي يسمى (الباب [17] ) الذي يجتمع فيه ما انهضم من الزلال، والسكر،
وبعض الشحم فيصل إلى الكبد، وهناك تفرز منه الصفراء وينقى.
أما المرة (الصفراء) فهي إفراز ضار بقاؤه بالجسم، فلذا تنصب في الأمعاء
لتخرج مع البراز، وهي السبب في تلون البراز باللون المعهود، وجزء من
الصفراء لا يخرج مع البراز؛ وإنما يمتص ثانية في الجسم فتفرزه الكلى، وهو
السبب في تلون البول باللون المعروف، وفي الأجنة تتجمع الصفراء في أمعائهم
حتى إذا ولدوا نزل البراز من أمعائهم أسود اللون ويسمى (بالعقي) .
ولا يتوهمن القارئ - مما ذكر - أن الصفراء لا فائدة لها في الهضم، بل
هي أكبر ما يعين العصير البنكرياسي على هضم جميع المواد المذكورة سابقا
وخصوصا المواد الدهنية، والصفراء تقلل التعفن والفساد كما قلنا، وهي أيضا
منبهة للحركة الدودية للأمعاء، ولذلك يعرض لمن احتسبت فيه الصفراء - بأن
انسدت مجاريها - ما يسمى (باليرقان) ؛ فيصفر جميع جسمه، ويحصل له
إمساك متكرر، ويرى في برازه شحم غير مهضوم، وتكون له رائحة كريهة جدا.
أما مجاري الصفراء فهي في مبدئها مجهرية (ميكروسكوبية) ، وتبتدئ من
داخل الخلايا الكبدية، وتجري فيما بينها، وتتجمع هذه القنوات بعضها مع بعض
حتى تكبر شيئا فشيئا إلى أن تنتهي بقناتين عظيمتين: إحداهما تخرج من الفص
الأيمن للكبد، والأخرى من الفص الأيسر لها، وتجتمعان معا فيحدث منهما قناة
واحدة، وفي أسفل الكبد كيس صغير يسمى بالحويصلة الصفراوية (المرارة) لها
قناة أيضا تتحد مع قناة الكبد، وتتكون منهما القناة الكبرى المسماة (بالقناة
المشتركة) التي قلنا إنها تصب في الاثني عشري، وفائدة هذه الحويصلة أن تكون
مستودعا للمرة في وقت عدم الحاجة إليها.
وإذا انسدت القناة الكبدية وحدها حصل اليرقاق، وكذلك إذا انسدت القناة
الكبرى، أما إذا انسدت قناة الحويصلة فقط كبرت هذه بسبب إفراز مواد مخاطية