سنة الله في الأكسجين والكربون:
ولا يتوهم القارئ - مما سبق - أن كمية الأكسجين في الهواء آخذة في
النقص شيئا فشيئا بسبب التنفس، وبسبب النيران، فإن الله تعالى وضع لذلك سنة
حكيمة بها يبقى الأكسجين في الهواء إلى ما شاء الله، وذلك بأن جعل الورق
الأخضر لجميع النبات يحلل (بتأثير أشعة الشمس فيه) غاز ثاني أكسيد الفحم،
فيمتص منه الفحم، ويخرج الأكسجين، وهذا الفحم باتحاده مع عناصر أخرى
تتركب منه أخشابها، وما فيها من صموغ، وسكر، وزيوت، وغير ذلك؛ فكأن
الفحم الخارج من الإنسان، وغيره من الحيوانات ضروري للأشجار، فإذا أكل
الإنسان شيئا من هذه الأشجار عاد إلى جسمه، ثم يحترق فيه؛ فيخرج في الهواء؛
فيعود إلى الشجر، وهكذا كالدائرة.
وبحركة الرياح (وهى ناشئة من اختلاف درجة حرارة الهواء) ، وبتماوج
ذراته، وانتشارها توجد حركة دائمة في هواء الأرض؛ فتبعثر الأكسجين، وتنشره
في جميع الجهات، ولولا ذلك لماتت الحيوانات التي في البقاع الخالية من الأشجار.
ومن الخطأ العظيم تغطية الوجه أثناء النوم، وكذلك غلق منافذ الغرفات مع
وجود أشخاص فيها، أو مصابيح وغيرها؛ فإن ذلك قد يقتل الإنسان.
أما ثاني أكسيد الفحم المتكون من الاحتراق الداخلي؛ فإنه يوجد في الدم لا
ذائبا فيه، بل متحدا مع عنصر الصوديوم بصورة كربونات الصوديوم، أو
بيكربونات الصوديوم؛ فإذا وصل هذان الملحان إلى الرئتين خرج من البيكربونات
ثاني أكسيد الفحم بطريق الإكسوسموز، ومما يساعده في خروجه الخلايا المبطنة
للحويصلات الرئوية؛ فتفرزه وسبب حصول الإكسوسموز هو نقصان كمية ثاني
أكسيد الفحم في الهواء، كما أن السبب في دخول الأكسجين من الهواء في الدم هو
أيضا قلة الأكسجين في الدم عنها في الهواء، وقبل دخول الأكسجين للدم يذوب في
الرطوبة التي تغطي جدران الحويصلات الرئوية ومنها يدخل للدم، ويجب أن لا
يتوهم القارئ أن كل الهواء الذي في الحويصلات الرئوية يخرج منها أثناء الشهيق
فالواقع أنه يخرج جزء منه، ويبقى جزء آخر، وبطريقة الانتشار يسرع أكسجين
الهواء إلى الداخل لكثرته، وغاز ثاني أكسيد الفحم إلى الخارج لكثرته أيضا - كما
سبق بيانه -.
ثقل غازات الهواء:
من تأمل في تركيب الهواء، والفرق بين درجات ثقل غازاته وجد أن
النيتروجين من أخفها، وغاز ثاني أكسيد الفحم من أثقلها، فلذا يتكاثر هذا الغاز
الأخير بقرب سطح الأرض وفى الحفر، وكلما ارتفع الإنسان نقصت كمية هذا
الغاز، وزادت كمية النيتروجين، ولذا كثيرا ما سمعنا بموت أشخاص هبطوا إلى
أماكن منخفضة كالآبار وغيرها.
أما الأكسجين فلكونه أثقل من النيتروجين يكثر في الهواء المجاور للأرض،
ويقل في جو السماء، يشعر بذلك من توقل (صعد) في جبل عال، أو حلق في
الجو بطيارة.
وأعظم علو أمكن للإنسان أن يصل إليه في القباب الطيارة، أو المناطيد، أو
الجبال هو 8838 مترا، أما الصعود بعد ذلك فيؤدي إلى هلاك الإنسان، إما لنقص
الأكسجين، أو لانفكاك غازات الدم منه فتحدث أعراض خطرة، ويتعسر التنفس،
أو يتعذر بسبب نقص كمية الأكسجين نقصا عظيما فلا يحدث الإندوسموز. زد على
ذلك أنه إذا عاش الإنسان بضع دقائق في ذلك المكان المرتفع حصل له نزف من
الأنف، أو الرئتين، أو غيرها لقلة ضغط الهواء الجوي على جسم الإنسان،
ولتعلم أن الصعود إلى نحو 5000 مترا لا يوافق جمهور الناس حتى المتعودين
لذلك من سكان الجبال.
أما ارتفاع هواء الجو فلا يقل عن 300 كيلو متر
التنفس الصناعي:
إذا بطل تنفس الإنسان بسبب ما كاستنشاق الكلوروفورم، أو الغرق في الماء
أو استنشاق غازات الاحتراق، أو غير ذلك مما يبطل التنفس أمكن إعادة الحياة إلى
المصاب بطريقة (التنفس الصناعي) ، واستعمال المنعشات، ونحوها بشرط ألا
تكون المدة قد طالت، وأن لا تكون أنسجة الجسم قد بدأ فيها أقل شيء من الفساد.