تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المسجد فجاء عمر فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

أما بعد، فإن هؤلاء القوم قد أعطونا عطايا، والله ما كان لهم أن يعطوناها.

وما كان لنا أن نقبلها، وإن ذلك قد صار إلي ليس علي فيه دون الله محاسب، ألا

وإني قد رددتها، وبدأت بنفسي وأهل بيتي، اقرأ يا مزاحم.

قال الراوي: وقد جيء بسفط قبل ذلك، أو قال جونة فيها تلك الكتب، فقرأ

مزاحم كتابا منها فلما فرغ من قراءته ناوله عمر - وهو قاعد على المنبر وبيده جلم

(أي مقص) فجعل يقصه بالجلم، واستأنف مزاحم كتابا آخر، فجعل يقرؤه فلما

فرغ منه دفعه إلى عمر فقصه، ثم استأنف كتابا آخر، فما زال حتى نودي بصلاة

الظهر.

هذه هي أحكام الإسلام، فمن خالفها كان خارجا عن هديه، استعملوا القوة في

إقامة العدل مع الرحمة، وبذلك ساد من ساد من خلفائهم ودولهم، فقاعدتهم (القوة

للحق) ، وقاعدة المدنية الحديثة (الحق للقوة) ، وأما المتأخرون منا فهم مذبذبون

بين ذلك لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، وما رأيت أصدق في وصف القوم

ووصفهم من قول شاعر بني العنبر أول شعراء الحماسة:

لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا

إذا لقام بنصري معشر خشن ... عند الحفيظة أن ذو لوثة لانا

قوم إذا الشر أبدى ناجديه لهم ... طاروا إليه زرقات ووحدانا

لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا

لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشر في شيء وإن هانا

يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا

كأن ربك لم يخلق لخشيته ... سواهم من جميع الناس إنسانا

فليت لي بهم قوما إذا ركبوا ... شنوا الإغارة فرسانا وركبانا

ومن ضروب العبرة في هذه الحرب ما نراه في أخبارها من الكذب،

والتناقض، والتعارض، والتهاتر، والتمويه، والتدليس، وسوء التحريف، وفساد

التأويل يشترك في ذلك أصحاب الشركات البرقية، والجرائد السياسية، حتى سرى

إلى المجلات التاريخية والعلمية، بل لم يعد أحد من الناس يثق كل الثقة بالتقارير،

والبلاغات الرسمية، لأنهم يرون كل خصم يكذب خصمه في أخباره الرسمية، ولو

سئل أصحاب الجرائد في كل قطر من الأقطار عن سبب ما ينكر عليهم مما ذكر -

لأجابوا: أن سببه الأول تضييق حكوماتنا علينا، وإلزامها إيانا عرض كل ما

نكتبه على رقبائها الذين سلبوا حرية الكتابة منا، مع اجتهادنا في جعل ما نكتبه

موافقا لمصلحتها، وتجنبنا من تلقاء أنفسنا كل ما نرى أن نشره مخالف سياستها.

هذا عذر عارض، والمشهور بين الناس أن الجرائد لا تتحرى الصدق فيما

تنشره، لا في أيام السلم وعهد الحرية، ولا في أيام الحرب وعهد المراقبة، وأنها

تتعمد الكذب والتمويه إذا كان لها في ذلك منفعة، والحق أنها تواريخ فيها الصادق

والكاذب، والحق والباطل، تجمع بين الدرة والبعرة، وتأتي بالذرة وأذن الجرة،

وإنني لا أشهد لجريدة من الجرائد التي أعرفها في الشرق أنها تمثل حال البلاد التي

تصدر فيها والأمة التي تتكلم عنها تمثيلا صحيحا، كما يعرفه المختبر للبلاد وللأمة

ولو كانت هذه الجرائد في عصر رجال الجرح والتعديل من المحدثين، لجعلوا

أصحابها في عداد الوضاعين، ولم يرتقوا بهم إلى درجة الضعفاء أو المدلسين،

كيف وقد ضعف بعضهم القاضي الواقدي، وبعضهم قال إنه كذاب، وإنه كان يضع

الحديث، وهو من أكبر الحفاظ، وأشهر المؤلفين، كتب عنه سليمان الشاذكوني

كتابا، ثم أتاه فسأله عما كتبه عنه قبل أن يخرج به، فإذا هو لم يغير حرفا منه.

لم تعن أمة من أمم العلم بمثل ما عني به المسلمون من ضبط الرواية في

القرون الأولى، فإن كانوا دونوا في تواريخهم كل ما قيل، ما صح منه، وما لم

يصح لأجل الجمع والإحصاء، فالعمدة عندهم على الأسانيد، فما كان محل الشبهة

منها أمكن تمحيص الرواية فيه بالبحث عن رجال سنده، فإذا انفرد بعض الرواة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ٦٩