تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في الأرض قررت هذه المساواة غير الشريعة الإسلامية. وقد جرى على ذلك

الخلفاء الراشدون على وجه الكمال، وكان هو الأصل والقاعدة عند الأمويين

والعباسيين في القضاء، وإنما وقع الشذوذ والخروج عنه في بعض الأحكام

السياسية والعسكرية.

واقعة مساواة عمر بن الخطاب بين علي صهر الرسول وابن عمه، وبين

رجل من عامة اليهود، وغلط عمر في تسمية اليهودي، وتكنية علي، واستياء

علي منه لتفضيله إياه على خصمه بالتكنية، واعترافه هو بأن ذلك خطأ - واقعة

مشهورة معروفة، وقد جرى لعمر بن عبد العزيز ما يقرب منها:

قال الحكم بن عمر الرعيني: شهدت مسلمة بن عبد الملك يخاصم أهل دير

إسحق عند عمر بن عبد العزيز بالناعورة، فقال عمر لمسلمة: لا تجلس على

الوسائد، وخصماؤك بين يدي؛ ولكن وكل بخصومتك من شئت وإلا فجاثي [5] القوم

بين يدي، فوكل مولى له بخصومته، فقضى عمر عليه بالناعورة. ذكره الحافظ

ابن الجوزي في سيرته.

قلت: إن هذه الواقعة تشبه واقعة علي مع اليهود، وأعني بالتشبيه المساواة في

التكريم والاحترام بين الرفيع، وإن كان من بيت النبوة أو الملك، وبين سائر

الناس حتى من غير المسلمين، فعلي كان سيد آل بيت الرسول وعمادهم، ومسلمة

كان من بيت الملك فهو ابن عبد الملك بن مروان، وناهيك بما كان لبني عبد الملك

من العز والسلطان.

أما المساواة في الحقوق نفسها فكانت هي الأصل الذي يجري عليه كل الحكام

إلا من شذ لأسباب عارضة، أو لفساد في خلق الشخص، ووقائعها في عهد عمر

بن عبد العزيز لا تحصى، وقد كان أول مظلمة رفعت إليه يوم توليته مظلمة ذمي

من أهل حمص ادعى أن العباس بن الوليد بن عبد الملك اغتصبه أرضه، قال عمر:

يا عباس ما تقول، قال أقطعنيها - أي الأرض - أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك،

وكتب لي بها سجلا، فقال: ما تقول يا ذمي؟ قال: يا أمير المؤمنين أسألك

كتاب الله عز وجل، فقال عمر: كتاب الله أحق أن يتبع من كتاب الوليد بن عبد

الملك، اردد عليه يا عباس ضيعته، فردها عليه.

وقد كان أهل بيت الملك من بني أمية تأثلوا ضياعا، ومزارع كثيرة من بيت

المال، وكان لبعض الناس في بعضها حق أو مقال، فلما ولي عمر بن عبد العزيز

ردها، وكان أول ما بدأ به رد ما كان له ولولده من ذلك.

وروي أنه استشار مولاه مزاحما في ذلك فقال: يا مزاحم إن هؤلاء القوم

أعطونا عطايا، والله ما كان لهم أن يعطونا إياها، وما كان لنا أن نقبلها، وإن ذلك

قد صار إلي ليس علي فيه دون الله محاسب، فقال له مزاحم: يا أمير المؤمنين هل

تدري كم ولدك؟ إنهم كذا وكذا، قال: فذرفت عيناه فجعل يستدمع، ويقول: أكلهم

إلى الله تعالى، ثم ذهب مزاحم، وذكر ذلك لعبد الملك بن عمر عسى أن يكف أباه

عن ذلك، فقال له عبد الملك: بئس وزير الدين أنت يا مزاحم، ثم وثب فانطلق

إلى بيت أبيه عمر فاستأذن عليه فقال له الآذن: إن أمير المؤمنين قد وضع رأسه

للقائلة، قال استأذن لي، قال: أما ترحمونه ليس له من الليل والنهار إلا هذه

الوقعة، قال عبد الملك: استأذن لي لا أم لك، فسمع عمر الكلام، فقال: من هذا؟

قال هذا عبد الملك، قال: ائذن له، فدخل عليه، وقد اضطجع للقائلة، فقال:

ما حاجتك يا بني في هذه الساعة، قال: حديث حدثنيه مزاحم، قال: فأين وقع

رأيك من ذلك؟ قال وقع رأيي على إنفاذه، قال: فرفع عمر يديه، وقال: الحمد

لله الذي جعل لي من ذريتي من يعينني على أمر ديني، نعم يا بني، أصلي الظهر،

ثم أصعد المنبر فأردها علانية على رؤوس الناس، فقال عبد الملك: ومن لك

بالظهر يا أمير المؤمنين! ومن لك إن بقيت إلى الظهر أن تسلم لك نيتك إلى الظهر

! فقال: قد تفرق الناس ورجعوا للقائلة، فقال عبد الملك: تأمر مناديك ينادي:

الصلاة جامعة، فيجتمع الناس (قال إسماعيل بن أبي حكيم الراوي لهذه الواقعة

وهو من رجال صحيح مسلم) فنادى المنادي: الصلاة جامعة فخرجت فأتيت

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ٦٨