للمصنفين، ودار لتكميل العلوم أدرس فيها بنفسي التفسير والحديث ويدرس فيها
غيري من العلماء الآخرون لعلي أنجح في هذا بعد العجز عن العمل في الندوة التي
أضعت وقتي فيها، ولكن جاءت المنية قبل تحقق رجائه، جزاه الله خير الجزاء
لأعماله النافعة للمسلمين.
***
ترجمة الشيخ شبلي النعماني
بقلم عبد الرزاق
أحد طلبة دار الدعوة والإرشاد
كان الشيخ شبلي النعماني من أكبر علماء الهند قدرا، وأوسعهم علما،
وأشدهم غيرة على الدين والأمة، خدم المسلمين زمنا طويلا، بدون تعب ولا نصب
ولا مبالاة بحوادث الدهر، ومن مزاياه الكثيرة أنه كان نابغا في علوم عديدة،
مجتهدا في الدين والعلوم العقلية، ماهرا في تاريخ الشرق والغرب، أديبا بارعا في
اللغة العربية والفارسية، ينشد الشعر بالفارسية مثل أعظم شعراء العجم، وهو يعد
من أئمة اللغة الهندية، وأفصح كتابها، له كتب كثيرة جدا في الفلسفة والتاريخ
وآداب اللغتين الفارسية والهندية، وفي علوم شتى، وآخر كتاب كان يعنى بتأليفه
هو (سيرة النبي صلى الله عليه وسلم) ، ولم يكد يتمم جزءا منه حتى عاجلته منيته،
وهو ابن خمس وستين سنة تقريبا، هذا الكتاب ليس مثل سائر الكتب التاريخية،
بل أراد رحمه الله أن يكتب باستقصاء لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من آثار النبي،
وأقوال المتخرسين (؟) إلا أحصاها، وبحث فيها بحثا فلسفيا ليس من ورائه بحث،
وكان من اهتمامه بالكتاب المذكور أنه قبل الاشتغال فيه أعلن في الجرائد الهندية
أنه يحتاج إلى خمسين ألف روبية (3325 جنيها) ليسافر إلى الممالك الإسلامية
والإفرنجية، ويطالع في مكاتبها الكتب المؤلفة في سيرة النبي - صلى الله عليه
وسلم -، وتساءل عمن يساعده بذلك؟ فأجابت طلبه (أميرة بهوبال) التي اشتهرت
بالأعمال الخيرية والعلمية، غير أنها لم تأذنه بالسفر لكبر سنه، وما أصابه من
المرض، بل وعدت بأن تطلب له جميع الكتب المحتاج إليها، وتعطي 200 روبية
شهريا لمترجمي الكتب الإفرنجية منها (لأن الشيخ لم يكن عالما بلغات العرب)
فاشتغل الشيخ بالكتاب ثلاث سنوات، وكمل منه جزء واحد كما ذكر آنفا.
وكان ينتهز الفرص لينفع المسلمين، ومن مآثره أنه نجح في مسألة الوقف
على الأولاد عند الحكومة، فأجازته بعد أن كانت أبطلته.
ربما يظن ظان أن هذا الشيخ الجليل كان من متخرجي المدارس العالية، ومن
أصحاب الشهادات العليا، وليس الأمر كذلك؛ فإنه لم يتعلم في مدرسة ما قط، بل
كان يتلقن بعض العلوم المتروكة القديمة في بيوت بعض العلماء، ولم يكن يعلم
شيئا من أحوال العالم المدني، ولكن علامات الذكاء كانت تنطق على سيماه بعظيم
مستقبله.
ولما كمل دروسه غير المنظمة، انتظم في سلك المعلمين في كلية علي كرة
الشهيرة، وهنالك ظهر له أنه يوجد عالم غير عالمه، وعلوم غير الفقه والكلام
والفلسفة اليونانية، فأخذ يطالع العلوم حتى عد من أكبر علماء الهند، وفي هذه
الأثناء ساح في البلاد الإسلامية كلها ليعرف داء المسلمين ودواءه، وبعد رجوعه إلى
وطنه ابتدأ دوره الذهبي؛ لأنه ترك الوظيفة، ولم يعمل شيئا بعد إلا لإصلاح
المسلمين، ولهذا الغرض أخذ على عاتقه مشروع ندوة العلماء، وهي لم تكن
شيئا يذكر قبله، وبهمته العالية ترقت في مدة قصيرة حتى سمع صوتها في العالم
المدني، وتخرج فيها العلماء والمربون، وكانت له أماني كثيرة حالت منيته دونها
إذا وافته بعد أن مرض نصف شهر، فسقطت بذلك حلقة كبيرة في سلسلة
المصلحين، وانطفأ مصباح الهند، فليحزن على فقده المصلحون، والهنود
المسلمون، إنا لله وإنا إليه راجعون.
(المنار)
فقدنا الأستاذ النعماني في عهد هذه الحرب التي حرمتنا رؤيته، ما عدا جريدة
عليكدة من جرائد الهند، فلم نقف على شيء من تأبينها وترجمتها له، والشيخ
حبيب الرحمن الذي كتب تلك النبذة الوجيزة في جريدة عليكده من أهل العلم والدين،