(الاشتراكيين والمتطرفين) الذين يزعمون أن الحكومة ليست سوى شركة ضمانة
عملها توزيع المنافع، والمرافق بالسواء - أن هذه الآراء لا يمكن العمل بموجبها
أبدا؛ لأنها آراء نظرية بحتة، وكل أمة تسير بموجبها تضعف؛ فتنحط وتفنى على
تمادي الأجيال، والشواهد العديدة التي اقتبسها برنهاردي من دارون وكنت وهكل
وفشت وشلر وغوث تؤيد هذا المذهب، وحبذا لو أنه ذكر اسم كروب ومدافعه
أيضا، حتى يصير الاقتباس تاما؛ لأن كروب واختراعاته لا تقل أهمية عن تعاليم
أولئك الفلاسفة.
***
فضائل الحرب
نقد برنهاردي
إنني من المعجبين بتصريح برنهاردي القائل: إن للحرب فضيلتين هما
الشجاعة والعدالة، فالشجاعة فضيلة لأنها رائد الاستقلال، والعدالة فضيلة لأنها رائد
الصدق، والصدق رفيق القوي دائما؛ ولكن العدالة والصدق يجب أن ينحصرا مع
الغرباء، وبين الأمم الأخرى، فللقوة المركز الأول دائما، وكل من يقول بخلاف
ذلك فهو خادع أو مخدوع.
إلى هنا انتهى إعجابي بالتعاليم العملية التي دونها الجنرال برنهاردي في كتابه
الأخير؛ ولكن موضوعا اجتماعيا فلسفيا كهذا لا يخلو من التعقيد والصعوبة لذلك لا
ألوم برنهاردي إذا رأيته يناقض نفسه في بعض الأحايين، ويخلط في تدوين
المبادئ وشرحها في البعض الآخر.
فمن جملة المتناقضات في تعاليمه عدم شفقته على الأمم الضعيفة حالة كونه لم
يضمن لنا طريقة ثابتة بها تبقى الأمة القوية قوية إلى ما شاء الله - وهذا من أهم
الاعتراضات أيضا على مذهب دارون القائل ببقاء الأنسب، ومن جملة مواضع
الخلط والخبط في شرح مبادئه عدم جمعه بين العدالة والقوة جمعا علميا ترتاح
النفس إليه، بل أراه أبقى هوة عميقة بين القوة الوحشية التي عبر عنها بالحرب،
وبين العدالة المجردة التي لا يجوز لها أن تخضع للقوة.
ليس ذلك فقط، بل إن الجنرال برنهاردي اعتمد على علم الأحياء (بيولوجيا)
في مصنفه الأخير، وهو مولع بهذا العلم؛ لكنه تجاهل وجود ناموس التعاون
والتضامن في النوع الواحد، ونسي أو تناسى أن الإنسان مهما تعددت أممه،
وأجناسه، وعناصره، وألوانه لم يخرج عن كونه نوعا واحدا من أنواع الأحياء،
هو نوع الإنسان يتطلب كيانه ناموس التعاون، والتضامن، ولو بأحد أشكاله
البسيطة.
ويحوجني الوقت والمجال؛ لأبين أن العلاقة بين الحق والقوة هي علاقة
شديدة موجودة فعلا، وهي مثل الارتباط المتين الموجود بين الحرية والمسؤولية،
وبين الحق والواجب، فكما أن الحرية توجد المسؤولية والحق يوجد الواجب،
والعكس بالعكس، كذلك أرى أن ناموس الحق للقوة - الذي ينادي به الجنرال
برنهاردي، وأركان حرب ألمانيا عموما - يقتضي وجود علاقة متينة بين الحق
والقوة لم يشر إليها برنهاردي، ولا عرضا في سياق كلامه، لذلك نرى أن ألمانيا
في هذه الحرب مغمضة عين الحق في بعض تصرفاتها المخالفة، ومجسمة فضيلة
القوة الوحشية المحسوسة في سائر إجراءاتها مما جعلها عرضة للنقد العادل.
أما ما خلا هذه النقط القليلة القابلة الانتقاد، فكلام الجنرال برنهاردي صحيح
لا غبار عليه، ويجدر بالحزب السلمي في إنجلترا أن يدرسه بمزيد التدقيق
والتروي، عله يقلع عن تعاليمه النظرية الضارة، ويساعد القائلين منا بوجوب
تنظيم جيش قوي دائم، وتعويد الأمة على تربية رجال أشداء أقوياء البدن، وعلى
غاية من النشاط والبسالة. اه.
(المنار)
نقلنا ما تقدم عن جريدة الأفكار البرازيلية بنصه، مع تصحيح لفظي قليل،
والقارئ يرى أن غرض صاحب مجلة القرن التاسع عشر الإنكليزية من تلخيص ما
لخصه من الكتاب الألماني هو إقناع قومه بأن يحذوا حذو الألمان في شدة العناية بالقوة
الحربية، ومنه جعل الخدمة العسكرية إجبارية، والظاهر أن شر عاقبة لهذه الحرب
هو زيادة عناية الأمم الأوربية كلها بالاستعداد للحرب، وإن كان بعض الناس يظنون