هو مبدأ برنهاردي أيضا، وهاك نص إحدى عباراته حرفيا بهذا الصدد قال:
(لا يوجد في الكون حكومة تجري على غيرها من الحكومات ذات القوانين
وذات النوع من العدالة الذي تجريه على أفرادها هي، كذلك ليس من الواجب على
أي حكومة أن تعتني بالغريب، وتعطف عليه وتساعده؛ لكن من أوجب الواجب
عليها الإعتناء بأولادها، وتقوية الضعفاء منهم فقط، وإجراء العدالة بتمام النزاهة
والتدقيق بين المتخاصمين منهم وحدهم، وإذا قلنا: إن محكمة دولية عمومية يجب أن
تنشأ لأجل فض الخلافات بين الدول على مبدأ الحق والعدالة المجردة، نعود
ونرجع إلى القوة الوحشية المحسوسة لأجل تأييدها، وإليك البرهان:
(هب أن خلافا نشب بين أمتين، أو أكثر، ورفع أمره إلى تلك المحكمة
الدولية العمومية العليا (الموهومة) ، وهذه بموجب الحق، والعدالة المجردة
أصدرت حكمها ضد الأمة القوية المتعدية، ورفضت تلك الأمة القوية أن تخضع
لحكم المحكمة العادل، فماذا علينا أن نفعل؟ علينا أن نلتجئ إلى جيش قوي جدا
يرغم تلك الأمة القوية على قبول حكم المحكمة العليا وتنفيذه، وإلا كانت العدالة،
والحق، والحكم حبرا على ورق من الوجهة العملية، ولما لم يكن تنظيم جيش
عمومي ممكنا، كان من المستحيل - إذن - إجراء الحق بين الأمم المتباينة في
العدد والقوة إجراء فعليا، كما يجري في الأمة الواحدة التي لها من قوة جندها ما
يجعل الحق نافذا، والعدالة المجردة ممكنة - ولكن بين أفرادها فقط، ومجمل القول
أن الناموس الطبيعي المعقول هكذا يأمر، أي أن العدالة المجردة يجب أن تجري؛
ولكن بين أبناء الأمة الواحدة فقط؛ لأن ذلك ضروري لحفظ كيانها ولتقويتها، أما
مع الأمم الأخرى فالحق للقوة في كل حال، وويل للضعيف والمستضعف [5] .
***
الاستعمار
تنازع ألمانية وإنكلترة بسببه
بعد هذا يوضح الجنرال برنهاردي مسألة الاستعمار بقوله: إن كل أمة قوية
لا بد لها يوما من طلب التوسع في أملاكها؛ لأن أفرادها المتزايد عددهم يحتاجون
أولا إلى المواد الغذائية، وثانيا إلى المواد الأصلية في الصناعة حاجة تزيد بالنسبة
إلى عددهم المتكاثر، وهذه لا يجدونها إلا في الخارج، وإذا زادت مصنوعاتهم
تراهم يضطرون إلى إيجاد أسواق جديدة لأجل تصريفها - أي إلى إيجاد مستعمرات،
فالمستعمرات - إذن - من لوازم الأمم الراقية.
والاستعمار يتم بطرق ثلاث:
(1) المهاجرة واختلاط المهاجرين تدريجا مع السكان الأصليين، والامتزاج
بهم امتزاجا سلميا، حتى يتغلبوا عليهم بفضل تفوقهم على الوطنيين بالقوى
البدنية، والعقلية، والأخلاقية.
(2) بإنشاء مستعمرات منظمة في بلاد أهلها من نصف المتمدنين، أو من
غير المتمدنين، وامتلاك مثل هذه المستعمرات غير صعب البتة.
(3) بالحرب، واغتصاب المستعمرات من أيدي أهليها عنوة، إذا كان
أولئك الأهلون على جانب من المنعة، والتمدن، وهذه الطرق الثلاث تدعى
المهاجرة، والاستعمار، والاغتصاب، وهي لا تتم إلا باستعمال القوة في إحدى
مظاهرها، وبمعاملة سكان البلاد الأصليين حسب ناموس تنازع البقاء، لا حسب
الحق، والعدالة.
والحق كل الحق مع الجنرال برنهاردي في هذا التصريح، لأن كل أمة قوية
استملكت بلادها وبلاد غيرها بقوة السيف يوما، لم تعامل الأهلين الأصليين قط
بالمساواة، والعدالة، كما يدعون، وليس في هذه التعاليم شيء جديد كما قلت آنفا؛
ولكن الذي زادها أهمية هو اشتباك ألمانيا منفذة هذه المبادئ بحرب كبرى مع
غيرها من الأمم، ووجود حزب قوي عندنا (أي في إنكلترا) شعاره (السلم مهما
كلفه الأمر) ، ومذهبه هو أن الذي يأخذ بالسيف بالسيف يؤخذ، وسها عن بال هذا
الحزب المتخنث أن الذي لا سيف عنده يكون أول من يسقط بسيف الغير، وخصوصا
في هذه الأيام، أيام المنازعات، والمناظرات، والمسابقات الهائلة.
ولا أصدق من كلام الجنرال برنهاردي عن السوسياليست والراديكاليين