يدل [19] على حكمة فاعله وعنايته، وما فيه من الإحسان والنفع ووصول المنافع
العظيمة إلى المخلوق يدل على رحمة خالقه وإحسانه وجوده، وما فيه من آثار
الكمال يدل على أن خالقه أكمل منه، فمعطي الكمال أحق بالكمال، وخالق الأسماع
والأبصار والنطق أحق بأن يكون سميعا بصيرا متكلما، وخالق الحياة والعلوم
والقدر والإرادات أحق بأن يكون هو كذلك في نفسه، فما في المخلوقات شيء [20]
من أنواع التخصيصات من أدل شيء [21] على إرادة الرب سبحانه ومشيئته وحكمته
التي اقتضت التخصيص، وحصول الإجابة عقيب سؤال المطلوب على الوجه
المطلوب دليل على علم الرب تعالى بالجزئيات، وعلى سمعه لسؤال عبيده وعلى
قدرته على قضاء حوائجهم، على رأفته ورحمته بهم، والإحسان إلى المطيعين
والتقرب إليهم، والإكرام، وإعلاء درجاتهم، يدل على محبته، ورضاه، وعقوبته
للعصاة والظلمة، وأعداء رسله بأنواع العقوبات المشهودة تدل على صفة الغضب
والسخط، والإبعاد والطرد والإقصاء يدل على المقت والبغض، فهذه الدلالات من
جنس واحد عند التأمل، ولهذا دعا سبحانه في كتابه عباده إلى الاستدلال بذلك على
صفاته، فهو يثبت العلم بربوبيته ووحدانيته، وصفات كماله بآثار صنعته المشهودة.
والقرآن مملوء بذلك، فيظهر شاهد اسم الخالق من نفس المخلوق، وشاهد
اسم الرازق من وجود الرزق والمرزوق، وشاهد اسم الرحيم من شهود الرحمة
المبثوثة في العالم، واسم المعطي من وجود العطاء الذي هو مدرار لا ينقطع لحظة
واحدة، واسم الحليم من حلمه عن الجناة والعصاة وعدم معاجلتهم، واسم الغفور
والتواب من مغفرة الذنوب وقبول التوبة، ويظهر شاهد اسمه الحكيم من العلم بما
في خلقه وأمره من الحكم والمصالح ووجوه المنافع، وهكذا كل اسم من أسمائه
الحسنى له شاهد في خلقه وأمره يعرفه من عرفه، ويجهله من جهله، فالخلق
والأمر من أعظم شواهد أسمائه وصفاته، وكل سليم العقل والفطرة يعرف قدر
الصانع وحذقه وتبريزه على غيره، وتفرده بكمال لم يشاركه فيه غيره من مشاهدة
صنعته، فكيف لا تعرف صفات من هذا العالم العلوي والسفلي، وهذه المخلوقات
من بعض صنعه.
وإذا اعتبرت المخلوقات والمأمورات وجدتها بأسرها كلها دالة على النعوت
والصفات وحقائق الأسماء الحسنى، وعلمت أن المعطلة من أعظم الناس عمى
بمكابرة، ويكفي ظهور شاهد الصنع فيك خاصة كما قال تعالى: {وفي أنفسكم أفلا
تبصرون} (الذاريات: 21) فالموجودات بأسرها شواهد صفات الرب جل جلاله
ونعوته وأسمائه، فهي كلها تشير إلى الأسماء الحسنى وحقائقها، وتنادي عليها،
وتدل عليها، وتخبر بها بلسان النطق والحال كما قيل:
تأمل سطور الكائنات فإنها ... من الملك الأعلى إليك رسائل
وقد خط فيها لو تأملت خطها ... ألا كل شيء ما خلا الله باطل
تشير بإثبات الصفات لربها ... فصامتها يهدي ومن هو قائل
فلست ترى شيئا أدل على شيء من دلالة المخلوقات على صفات خالقها
ونعوت كماله وحقائق أسمائه، وقد تنوعت أدلتها بحسب تنوعها، فهي تدل عقلا
وحسا، وفطرة، ونظرا، واعتبارا [22] .
قوله (بتبصير النور القائم في السر) يعني أن النور الإلهي الذي جعله الله
لعبده، ويلقيه إليه، ويودعه في سره هو الذي يبصره بشواهد صفاته، فكلما قوي
هذا النور في قلب العبد كان بصره بالصفات أتم وأكمل، وكلما قل نصيبه من هذا
النور، وطفئ مصباحه في قلبه، طفئ نور التصديق بالصفات، وإثباتها في قلبه.
فإنه إنما يشاهدها بذلك النور، فإذا فقده لم يشاهدها وجاءت الشبه الباطلة مع تلك
الظلمة فلم يكن له نصيب منها سوى الإنكار.
قوله (وطيب حياة العقل لزرع الفكر) أي يدرك الصفات بذلك النور القائم في
سره وطيب حياة عقله التي طيبها زرع الفكر الصحيح المتعلق بما دعا الله سبحانه
عباده إلى الفكر فيه بقوله: ﴿ويتفكرون في خلق السموات والأرض﴾ (آل