تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الصفات والنعوت والأفعال أعظم من تفصيل الأمر والنهي، وقررت إثباتها أكمل

تقرير في أبلغ لفظ وأبعده من الإجمال والاحتمال وأمنعه من قبول التأويل، وكذلك

كان تأويل آيات الصفات وأحاديثها بما يخرجها عن حقائقها من جنس تأويل آيات

المعاد وأخباره، بل أبعد منه لوجوه كثيرة ذكرتها في كتاب (الصواعق المرسلة،

على الجهمية والمعطلة) بل تأويل آيات الصفات بما يخرجها عن حقائقها كتأويل

آيات الأمر والنهي، فالباب كله باب واحد، ومصدره واحد، ومقصوده واحد،

وهو إثبات حقائقه، والإيمان بها.

ولذلك سطا على تأويل آيات المعاد قوم وقالوا: فعلنا فيها كفعل المتكلمين في

آيات الصفات، بل نحن أعذر؛ فإن اشتمال الكتب الإلهية على الصفات والعلو

وقيام الأفعال أعظم من نصوص المعاد للأبدان بكثير، فإذا ساغ لكم تأويلها، فكيف

يحرم علينا نحن تأويل آيات المعاد؟ وكذلك سطا قوم آخرون على تأويل آيات

الأمر والنهي وقالوا: فعلنا فيها كفعل أولئك في آيات الصفات مع كثرتها وتنوعها.

وآيات الأحكام لا تبلغ زيادة على خمسمائة آية - قالوا - وما يظن أنه معارض من

العقليات لنصوص الصفات فعندنا معارض عقلي لنصوص المعاد من جنسه أو

أقوى منه، وقالوا [14] متأولو آيات الأحكام على خلاف حقائقها وظواهرها [15] التي

سوغ لنا [16] هذا التأويل القواعد التي اصطلحتموها لنا، وجعلتموها أصلا نرجع

إليها فلما طردناها كان طردنا أن الله ما تكلم بشيء قط ولا يتكلم، ولا يأمر ولا

ينهى، ولا له صفة تقوم به، ولا يفعل شيئا، وطرد هذا الأصل لزوم تأويل آيات

الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والثواب والعقاب.

وقد ذكرنا في كتاب (الصواعق) أن تأويل آيات الصفات وأخبارها بما

يخرجها عن حقائقها هو أصل فساد الدنيا والدين، وزوال الممالك، وتسليط أعداء

الإسلام عليه إنما كانت بسبب التأويل، ويعرف هذا من له اطلاع وخبرة بما جرى

في العالم، ولهذا يحرم عقلاء الفلاسفة التأويل مع اعتقادهم لصحته؛ لأنه سبب

لفساد العالم، وتعطيل الشرائع، ومن تأمل كيفية ورود آيات الصفات في القرآن

والسنة علم قطعا بطلان تأويلها بما يخرجها عن حقائقها؛ فإنها وردت على وجه لا

يحتمل معه [17] التأويل بوجه، فانظر إلى قوله تعالى: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم

الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} (الأنعام: 158) هل يحتمل

هذا التقسيم والتنويع تأويل إتيان الرب جل جلاله بإتيان ملائكته أو آياته؟ وهل

يبقى مع هذا السياق شبهة أصلا أنه إتيانه بنفسه؟ وكذلك قوله: {إنا أوحينا إليك

كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} (النساء: 163) - إلى أن قال: {وكلم

الله موسى تكليما} (النساء: 164) ففرق بين الإيحاء العام، والتكليم الخاص،

وجعلهما نوعين، ثم أكد فعل التكليم بالمصدر الرافع لتوهم ما يقوله المحرفون،

وكذلك قوله: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل

رسولا} (الشورى: 51) فنوع تكليمه إلى تكليم بواسطة، وتكليم بغير واسطة،

وكذلك قوله لموسى عليه السلام: ﴿إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي﴾ (الأعراف: 144) ففرق بين الرسالة والكلام، والرسالة إنما هي بكلامه،

وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم (إنكم ترون ربكم عيانا، كما ترون القمر ليلة

البدر في الصحو ليس دونه سحاب، وكما ترون الشمس في الظهيرة صحوا ليس

دونها سحاب) [18] ومعلوم أن هذا البيان والكشف والاحتراز تنافي إرادة التأويل

قطعا، ولا يرتاب في هذا من له عقل ودين.

قوله: (وظهرت شواهدها في الصنعة) هذا هو الطريق الثاني من طرق

إثبات الصفات، وهو دلالة الصنعة عليها؛ فإن المخلوق يدل على وجود خالقه

وعلى حياته، وعلى قدرته، وعلى علمه ومشيئته؛ فإن الفعل الاختياري يستلزم

ذلك استلزاما ضروريا، وما فيه من الإتقان والإحكام ووقوعه على أكمل الوجوه ما

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ٢٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ٢٦٥