تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والناس أجمعين) ومن توقيره وحبه ذكر شمائله التي تهز أعطاف المحبين، ونشر

فضائله التي تزيد في إيمان المؤمنين، وإيراد سيرته وما كان عليه من الأخلاق

تسليكا للمتبعين، ثم هل تدرون من المحب للنبي - صلى الله عليه وسلم -

والصادق في محبته وإجلال قدره المعظم؟ المحب للنبي - صلى الله عليه وسلم -

هو القائم بامتثال أوامره، ونشر هديه الأكمل، والاعتصام بسنته، والحض عليها،

وإحيائها بالطلب والعمل، المحب للنبي - صلى الله عليه وسلم - هو المتخلق

بأخلاقه الجليلة، والمتحقق بآدابه الجميلة، المحب للنبي - صلى الله عليه وسلم -

هو من تظهر علامات الحب على أحواله، من الاقتداء به واتباع أقواله وأفعاله،

فليتخلق بأخلاقه الطاهرة من كان صادق الحب، مخلص اليقين، سليم القلب؛

ولكن ما أكثر المدعين، وما أقل المخلصين، عجبا لابن آدم يفهم ما يضره مما

ينفعه، ويسمع ولكن قلما يعمل بما يسمعه، ويحضره العزم في مجلس الذكر، إلا

أنه يقوم ويدعه، فإلى كم تهزه العبر وهو كالطفل كلما حرك نام، ويقتحم المعاصي

الكبر، ويقول إن الله ذو مغفرة، وينسى أنه ذو انتقام، فواخجل المقصرين من

التوبيخ في محفل القيامة، ويا سوء منقلب الظالمين عند حلول الندامة، ويا

حسرات الهالكين إذا عاينوا أهل السلامة، ويا هوان المتكبرين إذا حرموا دار

الكرامة، فرحم الله امرأ رجع إلى ربه سريعا، قبل أن يقع لجنبه صريعا، وألقى

إلى الموعظة قلبا وسمعا سميعا، قبل أن لا يسمع في مقام السؤال إلا توبيخا

وتقريعا، اللهم تداركنا برحمتك إنك أرحم الراحمين، وجد علينا بمغفرتك إنك خير

الغافرين.

***

خطبة في شمائل رسول الله صلى الله عليه وسلم

وأخلاقه المأثورة

الحمد لله الذي خلق كل شيء فأحسن خلقه وترتيبه، وأشهد أن لا إله إلا الله

وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، نبي أدبه ربه فأحسن

تأديبه، وزكى أوصافه وأخلاقه، ثم اتخذه صفيه وحبيبه، ووفق للاقتداء به من

أراد تهذيبه، وحرم عن التخلق بأخلاقه من أراد تخييبه، فصلى الله عليه وآله

الطيبين الطاهرين وسلم تسليما، أما بعد فيا عباد الله اتقوا الله، واعلموا أن آداب

الظواهر عنوان آداب البواطن، وحركات الجوارح ثمرات الخواطر، والأعمال

نتيجة أخلاق، ومن لم يخشع قلبه لم تخشع جوارحه، ومن لم يكن صدره مشكاة

الأنوار الإلهية، لم يفض على ظاهره جمال الآداب النبوية، وقد أدب صلوات الله

عليه بالقرآن، وأدب الخلق به، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم " بعثت لأتمم

مكارم الأخلاق " ثم رغب الخلق في محاسن الأخلاق، ولما أكمل تعالى خلقه أثنى

عليه فقال تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ (القلم: 4) فكان صلى الله عليه

وسلم أحلم الناس، وأشجع الناس، وأعدل الناس، وأعف الناس، لم تمس يده قط

امرأة لا يملك رقها، أو عصمة نكاحها، أو تكون ذات محرم منه، وكان أسخى

الناس لا يبيت عنده دينار ولا درهم، ولا يأخذ مما آتاه الله إلا قوت عامه، ويضع

سائر ذلك في سبيل الله، ولا يسأل شيئا إلا أعطاه، وكان يخصف نعله، ويرقع

ثوبه، ويخدم في مهنة أهله، وكان أشد الناس حياء لا يثبت بصره في وجه أحد،

ويجيب دعوة العبد الحر، يغضب لربه ولا يغضب لنفسه، يأكل ما حضر، ولا

يرد ما وجد، يركب ما أمكنه، ويردف خلفه، يحب الطيب ويجالس الفقراء

ويؤاكل المساكين، ويكرم أهل الفضل، ويتألف أهل الشرف بالبر لهم، يصل

رحمه، لا يجفو على أحد، يقبل معذرة المعتذر إليه، ولا يقول إلا حقا، يضحك

من غير قهقهة، يخرج إلى بساتين أصحابه ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم، ما

لعن خادما ولا امرأة، ولا ضرب بيده أحدا إلا في سبيل الله، يبدأ من لقيه بالسلام

والمصافحة، يكرم من يدخل عليه، حتى ربما بسط له ثوبه يجلسه عليه، وكان

أفصح الناس منطقا، وأحلاهم كلاما، يتكلم بجوامع الكلم، ولا يتكلم في غير حاجة،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ٢٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ٢٣٥