كفرهم، وكيف ينسب فعل إلى شهر أو زمان، والله خالق الزمان والمكان، وقد
بطل التطير والتشاؤم ولم يبق له أثر، بما رواه البخاري في صحيحه عن رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - سيد البشر، أنه قال: (لا عدوى ولا طيرة ولا صفر)
وعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إذا ظننتم فلا تحققوا، وإذا
حسدتم فلا تبغوا، وإذا تطيرتم فامضوا، وعلى الله فتوكلوا) وعن النبي - صلى
الله عليه وسلم - أنه قال: (إن سبعين ألفا من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب
فسئل صلى الله عليه وسلم عنهم فقال: هم الذين لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا
يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون) [16] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (الطيرة
شرك) فمن اعتقد ما يتشاءم به سببا مؤثرا في حصول المكروه، فقد أشرك،
ولعقيدة التوحيد والموحدين ترك، إذ لا فاعل إلا الله، ولا مؤثر في الكائنات سواه،
وإنما الزمان ليال وأيام، تختلف بتقدير العزيز العلام، فلا شؤم لصفر، ولا جمود
لجمادى، ولا بلاء، ولا نحس ليوم أربعاء، بل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن،
قال تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله﴾ (التغابن: 11) ، وقال جل
جلاله: ﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ (التوبة: 51)
خطبة لأول ربيع في وجوب تعظيم النبي
صلى الله عليه وسلم
وعلائم محبته
الحمد الله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو
كره المشركون، ومن على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم
آياته، ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في جلال إلهيته، ولا مثيل له في عز
ربوبيته، ولا كفوء له في أحديته، ولا كيف له في صفات مجده وصمديته، وأشهد
أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي دعا إلى ثوابه وبشر، وحذر من عقابه وأنذر،
وأوضح سبيل الرشاد، وجاهد فيه حق الجهاد، حتى ظهر دين الله وعلت كلمته،
وشملت رحمته وتمت نعمته، صلى الله عليه وعلى آله الأبرار، وصحبه الأخيار،
وسلم تسليما.
أما بعد فيا عباد الله اتقوا الله، واعلموا أن الله تعالى أكمل المنة على المؤمنين،
وأتم نعمته عليهم بإرسال خاتم الأنبياء رحمة للعالمين، فهداهم من الضلالة،
وأنقذهم بمكانه (؟) من الجهالة، وفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا
منة وطولا، وأرشد به السبيل، وأقام به معالم البرهان والدليل، نعمة وفضلا،
ورفع به للتوحيد أعلاما، ومحا به من الشرك ظلاما، ثم جعل محبته مشروطة
بمحبته، وطاعته منوطة بطاعته، وذكره مقرونا بذكره، وبيعته مقرونة ببيعته،
فقال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ (آل عمران: 31)
وقال تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (النساء: 80) وقال تعالى:
﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ (الشرح: 4) وقال تعالى: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون
الله} (الفتح: 10) ثم بين جل جلاله أن مخالفة أمر نبيه ضلال وخسران،
وأوعد عليه بالعذاب والخسران [17] فقال تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره
أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} (النور: 63) وقال سبحانه: {فلا
وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما
قضيت ويسلموا تسليما} (النساء: 65) فحذر سبحانه وأوعد، وأقسم، وأكد،
ليعلموا أن من شعب الإيمان، وكمال الإسلام، والإيقان، اتباع سنته، والتسليم
لقضيته، وتوقيره وتعظيمه، وإجلاله وتكريمه، كما قال تعالى: {يا أيها النبي إنا
أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا} (الأحزاب: 45) ، {لتؤمنوا بالله ورسوله
وتعزروه وتوقروه} (الفتح: 9) قال ابن عباس: وغيره: أي تبالغوا في
تعظيمه، ألا وإن من تعظيمه وتوقيره المطلوب، إيثار حبه على كل محبوب، فقد
قال صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده