وعدوا أنفسكم في الموتى، واصبروا فإن العمل كله بالصبر، واحذروا فالحذر ينفع،
واعملوا فالعمل يقبل، واحذروا ما حذركم الله من عذابه، وسارعوا فيما وعدكم
الله من رحمته، وافهموا تفهموا، واتقوا توقوا، وإن الله قد بين لكم ما أهلك به من
كان قبلكم، وما نجا به من نجا قبلكم، قد بين لكم في كتابه حلاله وحرامه، وما
يحب من الأعمال وما يكره، فإني لا آلوكم ونفسي، والله المستعان ولا حول ولا
قوة إلا بالله، واعلموا أنكم ما أخلصتم لله من أعمالكم فربكم أطعتم، وحظكم حفظتم
واغتبطتم، وما تطوعتم به فاجعلوه نوافل بين أيديكم، تستوفوا بسلفكم، وتعطوا
جزاءكم حين فقركم وحاجتكم إليها، ثم تفكروا عباد الله في إخوانكم وصحابتكم
الذين مضوا، قد وردوا على ما قدموا فأقاموا عليه، وأحلوا في الشقاء والسعادة فيما
بعد الموت، إن الله ليس له شريك، وليس بينه وبين أحد من خلقه نسب يعطيه به
خيرا، ولا يصرف عنه سوءا إلا بطاعته واتباع أمره؛ فإنه لا خير في خير بعده
النار، ولا شر في شر بعده الجنة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم وصلوا
على نبيكم محمد، صلى الله عليه وسلم ورحمة الله وبركاته.رواه ابن أبي الدنيا
وابن عساكر عن موسى بن عقبة.
***
من خطب الفاروق
رضي الله عنه [11]
أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله، الذي يبقى ويفنى ما سواه، الذي بطاعته
يكرم أولياءه، وبمعصيته يضل أعداءه، فليس لهالك معذرة في فعل ضلالة حسبها
هدى، ولا في ترك حق حسبه ضلالة، تعلموا القرآن تعرفوا به، واعملوا به
تكونوا من أهله، فإنه لم تبلغ منزلة ذي حق أن يطاع في معصية الله، واعلموا ن
بين العبد وبين رزقه حجابا؛ فإن صبر أتاه رزقه، وإن اقتحم هتك الحجاب ولم
يدرك فوق رزقه، فأدبوا الخيل وانتضلوا وانتعلوا وتسوكوا وتمعددوا [12] ، وإياكم
وأخلاق العجم، ومجاورة الجبارين، وأن تجلسوا على مائدة يشرب عليها الخمر
وتدخلوا الحمام بغير مئزر، وإياكم والصغار أن تجعلوه في رقابكم، واعلموا أن
سباب المسلم فسوق وقتاله كفر [13] ، ولا يحل لك أن تهجر أخاك فوق ثلاثة أيام،
ومن أتى ساحرا أو كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد -
صلى الله عليه وسلم - لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما، ومن ساءته
سيئته، وسرته حسنته فهو أمارة المسلم المؤمن، وشر الأمور مبتدعاتها، وإن
الاقتصاد في سنة خير من الاجتهاد في بدعة، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا فإنه
أهون لحسابكم، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر يوم
تعرضون لا تخفى منكم خافية، عليكم بهذا القرآن؛ فإن فيه نورا وشفاء، وغيره
الشقاء، وقد قضيت الذي علي فيما ولاني الله عز وجل من أموركم ووعظتكم
نصحا لكم، أقول هذا، وأستغفر الله لي ولكم رواه الحاكم، وابن عساكر.
***
من خطب ذي النورين
رضي الله عنه
أيها الناس اتقوا الله فإن تقوى الله غنم، وإن أكيس الكيس من دان نفسه
وعمل لما بعد الموت [14] ، واكتسب من نور الله نورا لظلمة القبر، وليخش عبد
أن يحشره الله أعمى وقد كان بصيرا، وقد يكفي الحكيم من جوامع الكلم، والأصم
ينادى من مكان بعيد، واعلم أن من كان الله معه لم يخف شيئا، ومن كان الله عليه
فمن يرجو بعده - رواه ابن عساكر -
***
من خطب الإمام أبي الحسن علي
كرم الله وجهه
أما بعد فإن المضمار اليوم وغدا السباق، ألا وإنكم في أيام عمل، من ورائه
أجل، فمن قصر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خيب عمله، ألا فاعملوا لله في
الرغبة كما تعملون في الرهبة، ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها، ولم أر كالنار نام
هاربها، ألا وإن من لم ينفعه الحق ضره الباطل، ومن لم يستقم به الهدى جار به
الضلال، ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن ودللتهم على الزاد، ألا أيها الناس إنما الدنيا
عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر، وإن الآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك