تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المصح، وليحل المصح حيث شاء. قيل: ولم ذاك؟ قال لأنه أذى. وقوله: لا

عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، قيل: يا رسول الله! أرأيت البعير يكون به

الجرب؛ فيجرب الإبل كله؟ قال - ذلكم القدر، فمن أجرب الأول؟) .

هذا شيء مما ورد في هذه المسألة، وقبل الخوض فيها يجب أن نتذكر ما

روي عن أنس أن الرسول قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم فعلى فرض أننا لا يمكننا

تأويل الأحاديث النافية للعدوى، فالمسلم لا يتحتم عليه أن يأخذ بها - كما سبق في

صفحة 165 من الجزء الأول - فإنه أدرى بأمور دنياه يأخذ منها ما ثبت عنده

بالبرهان، على أننا إذا راجعنا جميع هذه الأحاديث ظهر لنا أن النبي - صلى الله

عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - كانوا يعتقدون بالعدوى كما هو صريح

ما ذكرناه منها.

أما نفي العدوى فيقال فيه ما يأتي:

العدوى لغة: هي انتقال المرض من شخص إلى آخر، وكانت العرب تعتقد

أن المرض لا يأتي إلا من مريض؛ ولذلك قال (صلى الله عليه وسلم) لهم فمن

أعدى الأول؟ ، ولا يخفى أن المرض عرض لا يمكن أن يقوم بذاته، وعليه

فيستحيل أن ينتقل المرض من شخص إلى آخر، وهذا مما يفهم من قوله (صلى

الله عليه وسلم) لا عدوى أي لا ينتقل المرض، وهذا حق.

أما انتقال جراثيمه، فهو أمر كانت تجهله العرب، فلم يكن حديثهم، ولا

حديث الرسل فيه، وأيضا قد ينتقل الميكروب، ولا يحدث المرض كما سبق في

باب الوقاية، فليس انتقال الميكروب شرطا لحدوث المرض، ومن الميكروبات ما

يكون منتشرا في الهواء أو الطين أو غيرهما، وهي التي أصابت الأول المذكور

في الحديث [7] ، والميكروبات التي تصل إلى الإنسان لا تحدث فيه المرض إلا إذا

كان مستعدا له، والاستعداد يكون بأسباب وأحوال أرادها الله تعالى، وجعل السبب

فيها على قدر المسبب، وذلك ما يسمى بالقدر في الأحاديث، فالأساس الأصيل في

حدوث الأمراض هو القدر، ولولاه لما فعلت الميكروبات بالجسم شيئا مطلقا،

وحكمة ذكر هذه الأحاديث بعد نصه (صلى الله عليه وسلم) على وجوب الابتعاد

عن المرضى، وتعليله ذلك بأنه أذى، أي ضرر، هي أن الإنسان يجب عليه أن

لا يتغالى في أمر العدوى بمجرد اقترابه من المريض؛ فإن ذلك يحدث في الجسم

وهما، ووسوسة، قد يؤديان إلى ضعف حقيقي في الجسم أو العقل، ويؤدي بالناس

إلى الامتناع عن تمريض المريض، أو معالجته لمجرد الوهم، وفي ذلك ما فيه من

الضرر.

ولذلك تجد الأطباء لا يبالون بالوسوسة في أمر العدوى، ويقابلون كل مريض

ويقتربون منه أشد القرب، بل ويمسكون بأيديهم ما فيه الميكروبات، ولا يجبنون

فإن العاقل يجب أن لا يكون جبانا، ولولا ذلك لما تقدمت الأبحاث العملية كل هذا

التقدم.

والخلاصة أن الخوف من العدوى يجب أن يكون في دائرة العقل، فلا يجوز

أن يفرط الإنسان فيها، ولا يجوز أن يفرط من الرعب منها؛ فإن ما قدر الله

للإنسان من حيث قوة بنيته أو ضعفها ومقاومتها للأمراض، لا بد أن يكون، وإذا

فرض أن امرأ كان مستعدا لمرض لما أتاه المرض من حيث لا يحتسب؛ فلذا كان

الواجب الاعتدال في العدوى كما هو واجب في كل شيء.

وعبارة عمر - رضي الله عنه - السابقة في القدر، صريحة في وجوب

العناية بأوامر الطب وعدم مخالفتها اعتمادا على القدر، وهي من أعلى الحكم

الفلسفية.

ومن مضار شدة الوسوسة في مسألة العدوى أن الموسوس يمتنع عن ملامسة

كل شيء مما في هذا العالم إلا بشروط مخصوصة توجب الإعياء والإعنات، فمثلا

يتجنب لمس النقود ونحوها كالأوراق المالية، ويتجنب محادثة الناس واستنشاق

الهواء خوفا من أن يكون مر على مرضى أو موتى، ويتجنب الأكل، أو الشرب،

أو النوم، أو الركوب في الحضر والسفر حيث يفعل الناس كل ذلك، وفيه من

الضرر البليغ ما لا يخفى على المفكر.

أما الصفر (بفتحتين) فهو ما كانت تزعمه العرب من أن في البطن حية

تعض الإنسان إذا جاع، واللذع الذي يجده عند الجوع من عضها , وهذه الحية لا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ٢٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ٢٢٣