(3) عدم وجود هذا الميكروب في الجسم السليم أو المريض بغير هذا المرض، ويستثنى من ذلك بعض الميكروبات، كالبزور المزدوجة المسببة للالتهاب الرئوي فإنها توجد في فم الصحيح وأنفه،وتوجد أيضا في غير الالتهاب الرئوي كما في التهاب الشغاف (الغشاء المحيط بالقلب الذي يسمونه الآن التامور) وكذلك تستثنى مسألة حاملي الأمراض التي سنفصلها.
مصادر الميكروبات:
تتصل الميكروبات بالإنسان من عدة جهات (1) الهواء (2) الشراب
(3) الطعام (4) التراب (5) سائر أجسام الأحياء، والجمادات كالملابس مثلا،
وسيأتي - إن شاء الله - في باب الحميات بيان طرق وصول الأمراض المختلفة
إلى الإنسان تفصيلا.
شرط تأثير الميكروبات والوقاية منها:
ما كل أحد يتصل به ميكروب مرض يصاب بذلك المرض، بل هناك وقاية
للحيوانات من فتك هذه الميكروبات بها دفعة واحدة، ولولا ذلك لهلكت الأحياء في
زمن قصير.
وهذه الوقاية (وتسمى أيضا المناعة) منها ما هو فطري (أي يولد بها
الإنسان) ومنها ما هو مكتسب، أما المناعة الفطرية فقد تكون خاصة بالجنس أو
النوع كبعض الأمراض، فالجذام مثلا خاص بالإنسان لا يصيب أي حيوان آخر،
وبعض الأمراض يصيب بعض الأنواع دون بعض، كالحمى الصفراء فإنها لا
تصيب السود إلا قليلا، وبعض الأمراض تصيب بعض البيوت (الأسر) أو
الأفراد دون البعض الآخر، وكل ذلك لأسباب لا نعلمها على وجه التحقيق، وخير
الوقاية ما كان فطريا:
وقاية الله أغنت عن مضاعفة ... من الدروع وعن عال من الأطم
ومما يهيئ الجسم للعدوى التعب، والجوع، والبرد، وكل ما ينهك القوى
والإدمان على الخمور، إلا أن بعض الأشخاص قد يكونون سليمين من كل عيب،
ومع ذلك يصابون ببعض الأمراض، فمثلا قد نجد أن أسمن الأطفال، وأحسنهم
صحة يصابون بالقرمزية، وتفتك بهم كثيرا بينما الأطفال الآخرون الضعاف لا
يصابون بها، أو إذا أصيبوا كانت إصابتهم خفيفة.
أما المناعة المكتسبة وما في معناها كالعارضة بسبب يشبه الكسبي
فتكون بما يأتي:
(1) من الأمراض ما إذا أصيب به الإنسان مرة واحدة حمى جسمه من
الإصابة بهذا المرض مرة أخرى كالزهري والحصبة والجدري مثلا.
(2) من الأمراض ما إذا أصيب به الإنسان حمى جسمه من أمراض أخرى
تغايره بعض المغايرة، فمنها جدري البقر إذا أصاب الإنسان أو لقح به حماه من
الجدري الإنساني، ومنها الحمى الراجعة إذا أصيب بها شخص حمته غالبا من
التيفوس؛ ولكنها لا تحميه من نفسها.
(3) بحقن سم الميكروب، أو مصل يستخرج من الحيوانات بطريقة
مخصوصة، كما في مرض الدفثيريا مثلا، وبيان ذلك أن يزرع ميكروب الدفثيريا
في سائل (كالمرق) ، ثم يصفى هذا السائل من الميكروب، ويحقن حصان بجزء
صغير من هذا السائل المصفى، ونظرا لوجود سم ميكروب الدفثيريا في السائل
المحقون به يصاب الحصان ببعض أعراض مرضية خفيفة تزول سريعا كالحمى
وورم في مكان الحقن، ثم يحقن هذا الحصان بمقدار من السائل أكبر، فأكبر حتى
يصل الحصان إلى حالة لا يتأثر معها بهذا السم المحقون فيها؛ وعندئذ يتولد في
دمه مادة مضادة لسم الدفثيريا، فإذا أخذ دم هذا الحصان، واستخرج مصله كان هذا
المصل نافعا لإفساد سم الدفثيريا، وإذا حقن به الإنسان وقت انتشار هذا المرض
حفظه منه لمدة ثلاثة أسابيع عادة؛ وكذلك إذا حقن به المصاب بالدفثيريا نفعه نفعا
عظيما، وأدى إلى شفائه.
(4) حقن ميكروب المرض نفسه ميتا، أو بعد إضعاف تأثيره بطرق
سيأتي الكلام عليها في داء الكلب، وتسمى المادة المحقونة " باللقاح " ومن ذلك حقن
ميكروب التيفود بعد قتله، وحقن ميكروب الكلب بعد إضعافه، وإن كان ميكروب
الكلب إلى الآن لم يكتشف، بمعنى أنه لم يره أحد؛ ولكننا موقنون بوجوده، فإذا
لقح الشخص تولدت في جسمه مادة مضادة لهذا الميكروب المحقون، وبذلك لا
يكون له تأثير في إحداث المرض، وقد يحقن الميكروب بدون إضعافه؛ ولكن