تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سمعت.

وأزيدك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من ترك صلاة العصر فقد

حبط عمله) رواه البخاري، والنسائي، ومن المعلوم في الشرع أن الذي يحبط

عمله هو الكافر، قال تعالى في سورة المائدة: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾ (المائدة: 5) فإذا كان تارك العصر كافرا، فما ظنك بتارك جميع الصلوات؟

ولما جاء وفد ثقيف إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليسلموا، قالوا: اسمح لنا

في أن ندع الصلاة، وألا نكسر أصنامنا بأيدينا فقال: صلى الله عليه وسلم (أما

كسر أصنامكم بأيديكم فقد عفوناكم منه، وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه،

وأنت ترى أن في قوله (لا خير في دين لا صلاة فيه) أن تارك الصلاة لا يعتد

بتدينه، وعلى هذا قد درج الصحابة، رضوان الله عليهم. فقد روى الترمذي

عن عبد الله بن شقيق [3] أنه قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم

لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفرا إلا الصلاة؛ وذلك لما قدمنا من أن الصلاة

أصل، فالمحافظة عليها تستلزم المحافظة على كل الدين.

وقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يكتب إلى عماله:

إن أهم أمركم عندي الصلاة، من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها

كان لما سواها أشد إضاعة، رواه مالك وغيره.

س: إن ما تقدم من الأدلة كله صريح في أن تارك الصلاة غير مسلم مطلقا،

ولا أراني أشك بعد في ذلك، إذا ما معنى قول بعضهم: من تركها كسلا لا يكفر،

وما معنى التفريق بين من يتركها بكسل أو غيره؟

ج: لا معنى لذلك إلا مخالفة النصوص الصريحة، وعدم تدبر القرآن،

والسنة الصحيحة [4] ، وما دمنا نقول كما قال القرآن: إن المحافظة على الصلوات

من شأن المؤمن، ومن صفاته الملازمة له، فالمجرد منها، المتخلي عنها، غير

مؤمن ضرورة، لكونه عري من صفة الإيمان الفعلية، على أن الله سبحانه قد

صرح بأن الكسل في الصلاة من شأن المنافقين وصفاتهم، فقال عز شأنه في سورة

النساء: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا

كسالى} (النساء: 142) .

وليس المنافقون بأقل من الكافرين، قال تعالى في سورة براءة: {إن

المنافقين هم الفاسقون} (التوبة: 67) -أي الخارجون عن الدين - {وعد الله

المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم

عذاب مقيم} (التوبة: 68) .

قرن الله تعالى في هذه الآية المنافقين مع الكافرين، ووعد الجميع معا الخلود

في جهنم والعذاب الدائم، بل قد حطهم عنهم فقال في سورة النساء: {إن المنافقين

في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا} (النساء: 145) .

إلى هنا انتهينا من أدلة الصلاة وحدها

***

فإليك ما جاء في الزكاة أختها

قال الله تعالى في سورة فصلت: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما

إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة

وهم بالآخرة هم كافرون} (فصلت: 6-7) فتأمل كيف جعل منع الزكاة من

صفات المشركين وشأنهم، وإنما كان منعها من شأن المشرك بربه؛ لأنه يؤثر

المال على حبه، وقد قرن منع الزكاة بالكفر بالآخرة؛ لأنهم لو كانوا واثقين بخبر

الله، ومؤمنين بجزائه، لأنفقوا من مالهم رغبة في ثوابه، وخوفا من الكي بناره

وقال تعالى: {يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم

وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون} (التوبة: 35) .

(وقال) جل ثناؤه في سورة آل عمران: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما

تحبون} (آل عمران: 92) علق نيل البر على الإنفاق مما يحب، فمن لم ينفق

مما يحب، لا حظ له من البر، والبر نعيم الله ورضوانه فمانع الزكاة - وهي أول

مقصود بالإنفاق - محروم من نعيم الله ورضوانه كافر [5] .

ولعلك تلاحظ الحكمة في تقييده الإنفاق بأن يكون المنفق منه محبوبا عند

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ٢١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ٢١٣