تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الذائع خبره، المنتشر في الأرض أثره، واستفرغ وسعه في تنجيدها، وإتقان

قصورها، وزخرفة مصانعها؛ فانهمك في ذلك حتى عطل شهود الجمعة بالمسجد

الجامع الذي اتخذه، فأراد القاضي منذر بن سعيد رحمه الله وجه الله في أن يعظه،

ويقرعه في التأنيب، ويقص منه بما يتناوله من الموعظة بفصل الخطابة،

والتذكير بالإنابة.

فابتدأ أول خطبته بقوله تعالى: {أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون

مصانع لعلكم تخلدون * وإذا بطشتم بطشتم جبارين * فاتقوا الله وأطيعون * واتقوا

الذي أمدكم بما تعلمون * أمدكم بأنعام وبنين * وجنات وعيون * إني أخاف عليكم

عذاب يوم عظيم} (الشعراء: 128-135) ووصل ذلك بكلام جزل، وقول

فصل، جاش به صدره، وقذف به على لسانه بحره، وأفضى في ذلك إلى ذم

المشيد والاستغراق في زخرفته، والسرف في الإنفاق عليه، فجرى في ذلك طلقا،

وتلا في ذلك قوله تعالى: {أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم

من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم

الظالمين * لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم

حكيم} (التوبة: 109-110) وأتى بما شاكل المعنى من التخويف للموت،

والتحذير منه، والدعاء إلى الله - عز وجل - في الزهد في هذه الدنيا الفانية،

والحض على اعتزالها، والتبيين لظاهر معانيها، والترغيب في الآخرة وباقيها،

والتقصير عن طلب الدنيا، ونهي النفس عن اتباع الشهوات، وتلا من القرآن

العظيم ما يوافقه، وجلب من الحديث والأثر ما يشاكله ويطابقه، حتى بكى الناس

وخشعوا، وضجوا وتضرعوا، وأعلنوا الدعاء إلى الله تعالى.

فعلم الخليفة أنه المقصود به، والمتعمد بسببه، فاستجدى وبكى، وندم على

ما سلف منه من فرطه، واستعاذ بالله من سخطه، واستعصمه برحمته: إلا أنه

وجد على منذر بن سعيد للفظه الذي قرعه به، فشكا ذلك إلى ولده الحكم بعد

انصرافه، وقال: والله لقد تعمدني منذر بخطبته، وأسرف في ترويعي، وأفرط

في تقريعي، ولم يحسن السياسة في وعظي وصيانتي عن توبيخه، ثم استشاط،

وأقسم أن لا يصلي خلفه الجمعة أبدا، فقال له الحكم: وما الذي يمنعك عن عزل

منذر بن سعيد والاستبدال به؟ فزجره وانتهره، وقال: أمثل منذر بن سعيد في

فضله وورعه وعلمه وحلمه - لا أم لك - يعزل في إرضاء نفس ناكبة عن الرشد،

سالكة غير القصد؟ هذا ما لا يكون، وإني لأستحيي من الله تعالى أن لا أجعل

بيني وبينه شفيعا في صلاة الجمعة مثل منذر بن سعيد؛ ولكنه وقذ نفسي وكاد

يذهبها، والله لوددت أن أجد سبيلا إلى كفارة يميني بملكي، بل يصلي بالناس

حياته وحياتنا فما أظننا نعتاض منه أبدا.

وعذله قوم من إخوانه لتكنيته لرجل كان يسبه فقال:

لا تعجبوا من أنني كنيته ... من بعد ما قد سبنا وهجانا

فالله قد كنى أبا لهب وما ... كناه إلا خزية وهوانا

ومن قوله في الزهد:

ثلاث وستون قد حزتها ... فماذا تؤمل أن تنتظر

وحل عليك نذير المشيب ... فما ترعوي بل وما تزدجر

تمر لياليك مرا حثيثا ... وأنت على ما أرى مستمر

فلو كنت تعقل ما ينقضي ... من العمر ما اعتضت خيرا بشر

فما لك لا تستعد إذا ... لدار المقام ودار المقر

أترغب في فجأة المنون؟ ... وتعلم أن ليس منها وزر

فإما إلى جنة أزلفت ... وإما إلى سقر يستعر

استسقاء القاضي بالناس مع الخليفة:

وقحط الناس في بعض السنين آخر مدة الناصر لدين الله أمير المؤمنين، فأمر

القاضي منذر بن سعيد بالبروز إلى الاستسقاء، فتأهب لذلك، وصام بين يديه ثلاثة

أيام تنفلا، وإنابة، واستجداء، ورهبة، واجتمع الناس له في مصلى بقرطبة

بارزين إلى الله تعالى في جمع عظيم، وصعد الخليفة الناصر في أعلى مصانع

القصر المشرفة ليشرك الناس في الدعاء إلى الله تعالى والضراعة - فلما سرح

طرفه في ملاء الناس، وقد شخصوا إليه بأبصارهم قال:

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ١٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ١٩٩