المؤمنين التي آمنت سربكم، ورفعت خوفكم، وكنتم قليلا فكثركم، ومستضعفين
فقواكم، ومستذلين فنصركم، ولاه الله رعايتكم، وأسند إليه إمامتكم، أيام ضربت
الفتنة سرادقها على الآفاق، وأحاطت بكم تشعل النفاق، حتى صرتم في مثل حدقة
البعير، مع ضيق الحال ونكد العيش والتغيير، فاستبدلتم بخلافته من الشدة بالرخاء
، وانتقلتم بيمن سياسته إلى كنف العافية بعد استيطان البلاء، ناشدتكم يا معشر الملأ
ألم تكن الدماء مسفوكة فحقنها، والسبل مخوفة فأمنها، والأموال منتهبة فأحرزها
وحصنها؟ ألم تكن البلاد خرابا فعمرها، وثغور المسلمين مهتضمة فحماها
ونصرها؟ فاذكروا آلاء الله عليكم بخلافته، وتلافيه جمع كلمتكم بعد افتراقها
بإمامته، حتى أذهب عنكم غيظكم، وشفى صدوركم، وصرتم يدا على عدوكم،
بطوية خالصة، وبصيرة ثابتة وافرة، فقد فتح الله عليكم أبواب البركات،
وتواترت عليكم أسباب الفتوحات، وصارت وفود الروم وافدة عليكم، وآمال
الأقصين والأدنين إليكم، يأتون من كل فج عميق، وبلد سحيق، ولا أحد يحيل
بينه وبينكم ليقضي الله أمرا كان مفعولا، ولن يخلف الله وعده، ولهذا الأمر ما بعده
، وتلك أسباب ظاهرة تدل على أمور باطنة، دليلها قائم، وغيبها عالم {وعد الله
الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من
قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا} (النور:
55) وليس في تصديق ما وعد الله - عز وجل - ارتياب، ولكل نبأ مستقر،
ولكل أجل كتاب، فاحمدوا الله أيها الناس على آلائه، وسلوه المزيد من نعمائه،
فقد أصبحتم بين خلافة أمير المؤمنين أيده الله تعالى بالعصمة والسداد، وألهمه
بخالص التوفيق سبيل الرشاد، فاستعينوا على صلاح أحوالكم، بالمناصحة لإمامكم،
والتزام الطاعة لخليفتكم، وابن عم نبيكم - صلى الله عليه وسلم - فإن من نزع
يده من طاعة، وسعى في فرقة الجماعة، وفر من الديانة، فقد خسر الدنيا والآخرة،
ألا ذلك هو الخسران المبين. وقد علمتم ما أحاط بكم في جزيرتكم هذه من
ضروب المشركين، وصنوف الملحدين، الساعين في شق عصاكم، وتفريق ملتكم،
وهتك حرمتكم، وتوهين دعوة نبيكم - صلى الله عليه وسلم - وعلى جميع
النبيين والمرسلين، أقول قولي هذا والحمد لله رب العالمين وأنشد يقول:
مقال كحد السيف وسط المحافل ... فرقت به ما بين حق وباطل
بقلب ذكي ترتمي جنباته ... كبارق رعد عند نقش الأناصل
فما دحضت رجلي ولا زل مقولي ... ولا طار عقلي يوم تلك البلابل
بخير إمام كان أو هو كائن ... لمقتبل أو في العصور الأوائل
وقد حدقت نحوي عيون أخالها ... كمثل سهام أثبتت في المقاتل
ترى الناس أفواجا يؤمون داره ... وكلهم ما بين راض وآمل
وفود مليك الروم وسط فنائه ... مخافة بأس أو رجاء لسائل
فعش سالما أقصى حياة معمر ... فأنت غياث كل حاف وناعل
فقال العلج: هذا والله كبش الدولة، وخرج الناس يتحدثون عن حسن مقامه،
وثبات جنانه، وبلاغة لسانه.
خطبة ارتجالية قربت عالما من الخليفة:
وكان الخليفة الناصر لدين الله أشد تعجبا منه، وأقبل على ابنه الحكم، ولم
يكن يثبت معرفة عينه، وقد سمع باسمه، فقال الحكم: هذا منذر بن سعيد البلوطي،
فقال والله لقد أحسن ما أنشأ [5] ، ولئن أبقاني الله تعالى لأرفعن من ذكره، فضع
يدك يا حاكم واستخلصه وذكرني بشأنه، فما للصنيعة مذهب عنه، فلما انتهى
الناصر إلى الجامع بالزهراء ولاه الصلاة فيها والخطبة، ثم توفي محمد بن عيسى
القاضي فولاه قضاء الجماعة بقرطبة وأقره على الصلاة بالزهراء.
جهر القاضي بإنكار إسراف الخليفة:
وكان الخليفة الناصر كلفا بعمارة الأرض، وإقامة معاملها، وتكثير مياهها،
واستجلابها من أبعد بقاعها، وتخليد الآثار الدالة على قوة ملكه، وعزة سلطانه
وعلو همته، فأفضى به الإغراق في ذلك إلى ابتناء مدينة الزهراء الشائع ذكره،