تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خلفها، ورأت ما بيد أحد المحامين، وأعينها معصوبة ويد المحامي مقبوضة.

ومن فوائد هذا التنويم أنه قد يستعمل لشفاء بعض الأمراض، فمثلا إذا

أصيب الإنسان بمرض جلد عميرة (الاستمناء باليد) حتى أنه لم يقدر على كبح

جماح نفسه، ونوم، وأمر أن لا يأتيه؛ فإنه يشفى من ذلك شفاء تاما، وكذلك من

تعود التدخين أو تعاطي الأفيون مثلا.

وفي التنويم المغنطيسي يمكن للإنسان أن يخاطب غيره إذا كان نائما مثله

على بعد شاسع، ويسمى ذلك بالتلغراف الإنساني، أو انتقال الأفكار، وتسميه

الإفرنج (Telepathy) ومعناه الحرفي (الشعور على بعد) وهذا التأثير على

البعد قد يحصل حتى للأيقاظ، فإذا اتفق شخصان على التخاطب على بعد في وقت

ومكان معينين أمكن ذلك بالمزاولة، والرياضة الطويلة، وقد يؤثر الشخص في

شخص آخر بعيد عنه بدون اتفاق بينهما أيضا؛ ولكن ذلك نادر جدا.

وهذه المسألة تفهمنا تأثير العين [3] الذي ورد فيه بعض الأحاديث النبوية

وتواترت روايات أمم العالمين على حصوله، وإن أنكره بعض المتأخرين، على

أن إنكار تأثير العين مطلقا مكابرة، فمن ذا الذي ينكر تأثير نظرة الرضا، والحقد،

أو المحبة، والبغض في النفوس، وتأثير النظر إلى الجميل والقبيح، أو الفرح أو

الحزين، وإلى النشيط والكسلان المتثائب، إلى غير ذلك مما هو معروف، ولذلك

قال - صلى الله عليه وسلم - (العين حق) ، وأما ما زاد عن ذلك القدر من

الحديث، فإما أنه لم يثبت عنه عليه السلام، أو أنه يراد به تأكيد ما للعين من

التأثير في النفس، أو المبالغة فيه.

ومثل التأثير على البعد أيضا بعض أنواع السحر كالنوع المسمى بمصر

(بالشبشبة) .

ومن النوادر التاريخية التي لا تبعد صحتها ما روي أن عمر رضي الله عنه

كان يخطب بالمدينة فصاح في أثناء خطبته (يا سارية الجبل، يا سارية الجبل،

من استرعى الذئب الغنم فقد ظلم) ثم عاد إلى الخطبة حتى قال فيه بعض

الصحابة: إنه جن، ولما سئل رضي الله عنه عن ذلك أجاب بأنه رأى جيوش

المسلمين تكاد تفتك بها الأعاجم على أبواب (نهاوند) فصاح بقائدهم - ولم يتمالك

نفسه - ليتحصن بالجبل، وبعد ذلك جاءت الأخبار بأن المسلمين كادوا ينهزمون،

لولا أن سارية القائد سمع مع بعضهم هاتفا يرشدهم إلى الجبل، فدهش الناس لذلك،

وعلموا منه مقدار نفس عمر وكبر روحه، وهذه من أعظم مناقبه رضي الله عنه.

واعلم أن جميع هذه التأثيرات تصل بين النفوس بعضها ببعض بواسطة

الأثير - كما سبق- والظاهر أن جميع المخلوقات ليس فيها شيء آخر سوى المادة

الكثيفة أو اللطيفة، وهي التي تأتي بكل ما في هذا العالم من المشاهد العجيبة.

أما اعتقاد عامتنا، وبعض خاصة المليين بأن في الإنسان، أو في هذا العالم

شيئا آخر مخلوقا يغاير مادة الكون، فأرى أنه بعيد عن الصواب بعيد عن القرآن،

فإن هذا الكتاب الشريف لم يثبت وجود شيء ما يغاير مادة الكون سوى الله (2:

114) حتى أنه نص على أن بعض ما يسمونه بالأرواح كالجن مخلوق من مارج

النار، وهو من مادة هذا الكون [4] .

وإذا لاحظنا أنه نص على أن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم، ثم استثنى

الشيطان أمكننا الاستدلال بذلك على أن الشيطان كان أحد الملائكة، وقد نص في

آية أخرى (18: 50) على أنه كان من الجن؛ فيستنتج من ذلك أن لفظ الجن

كان يطلق على جميع ما استتر من هذه العوالم؛ فإن مادته تطلق على كل ما خفي

كالجنين مثلا، ومما يؤيد كون الملائكة من الجن قوله تعالى: {وجعلوا بينه وبين

الجنة نسبا} (الصافات: 158) ، وقوله تعالى: ﴿وجعلوا لله شركاء الجن﴾ (الأنعام: 100) مع أن العرب أشركت بالله الملائكة، فلولا أن لفظ الجن يطلق

عليهم أيضا لما صح هذا التعبير في الآيتين السابقتين.

ولا ينافي ذلك نسبة الذرية للشيطان مع العلم بأن الملائكة لا توصف بالذكورة

ولا بالأنوثة (43: 19) فإن الذرية قد تكون بغير اجتماع الذكر بالأنثى، كما

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ١٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ١٨٩