والعلم إليها، وسرى منها إلى مضافاتها من البلاد التابعة لدولتها وإلى ما جاورها،
وما زال الخط في جميع هذه الأماكن آخذا في الجودة إلى هذا العهد، وصار
للحروف قوانين في وضعها، وأشكالها متعارفة بين الخطاطين، وقد حفظ لنا
القلقشندي بيانات صحيحة عن أواسط عصر المماليك (أواخر القرن الثامن للهجرة)
فذكر في الجزء الثالث [3] من كتابه صبح الأعشى أنواع الخطوط المستعملة في
الدواوين، وعلق عليها معتمدا على نماذج منها نشرت في هذا الكتاب وهي ستة
أنواع:
(1) الطومار الكامل: ويشتمل على جملة أنواع، وكان يكتب به السلطان
علاماته على المكاتبات، والولايات، ومناشير الإقطاع.
(2) مختصر الطومار: وهو على نوعين: الثلث والمحقق، وكان يكتب
به في عهود الملوك عن الخلفاء، والمكاتبة إلى القانات العظام من ملوك بلاد الشرق.
(3) الثلث: وهو نوعان من الثقيل والخفيف.
(4) التوقيع: وهو على ثلاثة أنواع، وكانت توقع به الخلفاء، والوزراء
على ظهور القصص.
(5) الرقاع: وهو على ثلاثة أنواع أيضا، وكان يكتب به في الرقاع جمع
رقعة، وهي الورقة الصغيرة التي تكتب فيها المكاتبات اللطيفة، والقصص، وما
في معناها.
(6) الغبار: وهو نوع واحد، وكان يكتب به بطائق الحمام، والملطفات،
وما في معناها، ونرى من الكتابات المنقوشة على الأحجار في أيام المماليك جمال
هذا الخط، وبهاءه، وهو وإن كانت حروفه مستطيلة، فهي ربما أجمل مما كانت
عليه في أيام العباسيين.
ولما آلت الخلافة إلى الأتراك بعد زوال دولة المماليك بمصر، ورثوا بقايا
التمدن الإسلامي، فكان لهم اعتناء خاص بالخط، وقد أخذوا في إتقانه على أيدي
الأساتذة الفارسيين الذين اعتمدوا عليهم في الآداب والفنون، وقد حفظ الأتراك عدة
قرون في مصالح حكومتهم، ودوائرهم الملكية، والعسكرية أنواع الخطوط التي
كانت مستعملة في القرون الوسطى، فكان يعرف عندهم في القرن الحادي عشر
للهجرة 30 نوعا تقريبا إلا أنه أهمل أكثرها أثناء القرنين الثاني عشر، والثالث
عشر، ولم يبق مستعملا منها في الوقت الحاضر إلا ما سنذكره في الفصل الآتي،
والأتراك هم الذين أحدثوا الخط الرقعة، والخط الهمايوني، وإليهم انتهت الرئاسة
في الخط على أنواعه إلى عهدنا هذا، وقد أخذنا عنهم الخط المعروف بالإسلامبولي
ولا يزال الخط يتفرع إلى ما شاء الله عملا بسنة الارتقاء.
***
الأقلام المستعملة الآن
(1) الخط النسخي: أما الآن فقد أهمل الخط الكوفي، وصار الخط
النسخي هو الأكثر استعمالا في كتابة اللغة العربية أينما وجدت، وكذلك في كتابة
اللغة التركية، والتترية، والأفغانية، والهندية، وغيرها من لغات العالم الإسلامي،
فإنه يستعمل فيها الخط النسخي في الكتب العلمية، وغيرها، وعلى الخصوص
في المواضيع الدينية والشرعية كما سيأتي.
(2) القلم الفارسي: وهو مشتق من الخط القيراموز المتولد من الخط
الكوفي في صدر الإسلام، وتكتب به الآن اللغة الفارسية، ويستعمل غالبا عند
الهنود في كتابة لغتهم الهندستانية (الأوردية) ، وسيأتي تفصيل تاريخه وفروعه
عند الكلام على اللغة الفارسية.
(3) القلم المغربي: المستعمل في مراكش، والجزائر، وتونس،وطرابلس
لكتابة العربية والبربرية معا، وسيأتي ذكره بالتفصيل عند الكلام على
لغات المغرب.
(4، 5) القلم الرقعة والقلم الثلث: الرقعة هو خط الدواوين في تركيا،
وغيرها، ويغلب استعماله أيضا في المراسلات الاعتيادية، وقد أسلفنا أنه، والقلم
الهمايوني من مستحدثات الأتراك، وهما يستعملان عندهم إلى الآن، وقد انتشر
الرقعة بسلطة الأتراك في جزء من البلدان العربية، ومع أنه مكروه من بعض
العرب الخلص لأنه خط تركي [4] ، فهو مستعمل في مصر، والعراق، وسوريا
مثل القلم الثلث المستعمل عند الجميع، إلا أن الثلث يستعمل في الزخرفة والتزويق