في تجاويف الأنف؛ فيفقس هذا البيض، ويخرج منه النغف (وهو ما يسمى الآن
باليرقات ويشبه الدود) ، وهذه الديدان تأكل من جسم الإنسان، وتحدث فيه التهابا
شديدا، وإذا أصابت جروحه آلمته إيلاما شديدا، ويحصل بسببها أيضا التهاب
الجرح وحمى، وتعوق برء الجرح مدة مديدة؛ حتى أن الجرح لا يشفى إلا إذا
خلص منها، ومن أنواع هذه الديدان ما يأكل جثث الموتى.
وقد قرر أطباء الإنكليز أن من أعظم أسباب انتشار الحمى التيفودية بين
الجنود في حرب الترنسفال (من سنة 1899 - 1902) كان الذباب وساعده في
ذلك الريح بنقل الأتربة الملوثة بالبراز إلى طعام الجنود.
فلذا يجب إزالة جميع القاذورات من حول الإنسان، ودفن المواد البرازية
ونحوها دفنا جيدا، أو إبادتها بأية طريقة، بحيث نأمن وقوف الذباب عليها وانتقاله
إلينا، وأحسن الطرق حرق القاذورات، أو وضع الفنيك، أو الفورمالين عليها.
وإذا وقف الذباب على الأعين وجب طرده في الحال، وإذا وقف على الطعام
أو سقط في الشراب فالأسلم تطهيرهما بالنار، وكلما كثر الذباب وجب السعي في
إبادته بقدر الإمكان، واعلم أن الذبابة الواحدة تضع نحو 900 بيضة، وحياتها لا
تتجاوز ثلاثة أسابيع.
أما ما رواه البخاري عن أبي هريرة من أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
(إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله، ثم ليطرحه؛ فإن في أحد جناحيه شفاء
، وفي الآخر داء) فهذا الحديث مشكل؛ إن كان سنده صحيحا، فكم في الصحيحين
من أحاديث اتضح لعلماء الحديث غلط الرواة فيها كحديث (خلق الله التربة يوم
السبت) مثلا وغيره مما ذكره المححقون، وكم فيهما من أحاديث لم يأخذ بها الأئمة في
مذاهبهم، فليس ورود هذا الحديث في البخاري دليلا قاطعا على أن النبي - صلى الله
عليه وسلم - قاله بلفظه مع منافاته للعلم، وعدم إمكان تأويله، على أن مضمونه
يناقض حديث أبي هريرة وميمونة وهو أن النبي سئل عن الفأرة تقع في السمن فقال: (إن كان جامدا فاطرحوها وما حولها وكلوا الباقي، وإن كان ذائبا فأريقوه، أو
لا تقربوه) فالذي يقول ذلك لا يبيح أكل الشيء إذا وقع فيه الذباب؛ فإن ضرر كل
من الذباب والفئران عظيم، على أن حديث الذباب هذا رواه أبو هريرة، وفي حديثه
وتحديثه مقال بين الصحابة أنفسهم خصوصا فيما انفرد به، كما يعلم ذلك من
سيرته [10] وغاية ما تقتضيه صحة السند في أحاديث الآحاد الظن، فلا قطع بأن هذا
الحديث من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانوا يروون الحديث بالمعنى
فيجوز أن يكون لفظ الراوي لم يؤد المعني المراد، والله أعلم.
وهب أن الرسول قال ذلك حقيقة فمن المعلوم أن المسلم لا يجب عليه الأخذ
بكلام الأنبياء في المسائل الدنيوية المحضة التي ليست من التشريع، بل الواجب
عليه أن يمحصها، ويعرضها على العلم والتجربة؛ فإن اتضح له صحتها أخذ بها
والأعلم أنها مما قاله الأنبياء - عليهم السلام - بحسب رأيهم، وهم يجوز عليهم
الخطأ في مثل ذلك وقد حقق هذه المسألة القاضي عياض في كتابه الشفاء فليراجعه
من شاء، ومما رواه فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله: (إنما أنا بشر
فما حدثتكم عن الله فهو حق وما قلت فيه من قبل نفسي فإنما أنا بشر أخطئ
وأصيب) [*] .
***
الحرق
الحرق يحصل عادة إما بالنار، أو بالسوائل المغلية، وهو خطر جدا على
الحياة، وخطره يختلف بحسب اتساعه، وعمقه، ومكانه، وعمر المصاب، فإذا
أصاب الشخص حرق بسيط، وعم جسمه كان خطرا على الحياة خصوصا في زمن
الصغر، وحروق الرأس، والصدر، والبطن هي أشد الحروق خطرا، الغالب أن
الحروق النارية أشد أذى بالجسم من حروق المياه المغلية؛ لأن المياه تبرد بسرعة
وتسيل من على الجسم، أما السوائل التي كالزيت أو المعادن المصهورة فلالتصاقها
بالجسم تفتك به فتكا ذريعا، ويتميز الحرق الناري عن الحرق المائي بأن الأول