تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الله عنهم - صلوا معه عليه السلام الصلوات الخمس كما هي في عدد ركوعها،

وسجودها، أو علموا أنه صلاها مع الناس كذلك، وأنهم كلهم صاموا معه أو علموا

أنه صام مع الناس رمضان في الحضر، وكذلك سائر الشرائع التي تيقنت مثل هذا

اليقين، والتي من لم يقر بها لم يكن من المؤمنين، وهذا ما لا يختلف أحد في أنه

إجماع، وهم كانوا حينئذ جميع المؤمنين لا مؤمن في الأرض غيرهم، ومن ادعى

أن غير هذا هو إجماع كلف البرهان على ما يدعي ولا سبيل له إليه.

(مسألة) وما صح فيه خلاف من واحد منهم - رضي الله عنهم -، ولم

يتيقن أن كل واحد منهم - رضي الله عنهم - عرفه ودان به فليس إجماعا، لأن من

ادعى الإجماع هاهنا فقد كذب، وقفا ما لا علم له به، والله تعالى يقول: {ولا

تقف ما ليس لك به علم} (الإسراء: 36)

الإجماع بعد الصحابة متعذر:

(مسألة) ولو جاز أن يتيقن إجماع أهل عصر بعدهم أولهم عن آخرهم

على حكم نص ولا يقطع فيه بإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - لوجب القطع

بأنه حق وحجة، وليس كان يكون إجماعا، وأما القطع بأنه حق وحجة فلما ذكرناه

قبل بإسناده من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (لن تزال طائفة من أمتي

ظاهرة على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله) فصح من هذا أنه لا

يجوز البتة أن يجمع أهل عصر ولو طرفة عين على خطأ، ولا بد من قائل بالحق

فيهم، وإما أنه ليس إجماعا فلأن أهل كل عصر بعد عصر الصحابة - رضي الله

عنهم - ليس جميع المؤمنين، وإنما هم بعض المؤمنين، والإجماع إنما هو إجماع

جميع المؤمنين لا إجماع بعضهم.

ولو جاز أن يسمى إجماعا ما خرج عن الجملة واحد لا يعرف أيوافق سائرهم

أو يخالفهم - لجاز أن يسمى إجماعا ما خرج عنهم فيه اثنان وثلاثة وأربعة، وهكذا

أبدا حتى يرجع الأمر أن يسمى إجماعا ما قاله واحد، وهذا باطل، ولكن لا سبيل

إلى تيقن إجماع جميع أهل عصر بعد الصحابة - رضي الله عنهم - لكثرة أعداد

الناس بعدهم؛ ولأنهم طبقوا ما بين المغرب والمشرق، ولم تكن الصحابة - رضي

الله عنهم - كذلك، بل كانوا عددا ممكنا حصره، وضبطه، وضبط أقوالهم في

المسألة، وبالله تعالى التوفيق.

وقد قال بعض الناس: يعلم ذلك من حيث يعلم رضاء أصحاب مالك،

وأصحاب أبي حنيفة، وأصحاب الشافعي بأقوال هؤلاء (قال علي) وهذا خطأ؛

لأنه لا سبيل إلى أن تكون مسألة قال بها أحد من هؤلاء الفقهاء إلا وفي أصحابه من

يمكن أن يخالفه فيها وإن وافقه في سائر أقواله.

رد المتنازع فيه إلى الكتاب والسنة:

(مسألة) والواجب إذا اختلف الناس، أو نازع واحد في مسألة ما أن يرجع

إلى القرآن، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا إلى شيء غيرهما، ولا

يجوز الرجوع إلى عمل أهل المدينة ولا غيرهم، برهان ذلك قول الله عز وجل:

{يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم

في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} (النساء:

59) فصح أنه لا يحل الرد عند التنازع إلى شيء غير كلام الله تعالى، وسنة

رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وفي هذا تحريم الرجوع إلى قول أحد دون

رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن من رجع إلى قول إنسان دونه - عليه

السلام - فقد خالف أمر الله تعالى بالرد إليه وإلى رسوله، لا سيما مع تعليقه تعالى

ذلك بقوله: ﴿إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ (النساء: 59) ولم يأمر الله

تعالى قط بالرجوع إلى قول بعض المؤمنين دون جميعهم، وقد كان الخلفاء -

رضي الله عنهم - كأبي بكر، وعمر، وعثمان بالمدينة وعمالهم باليمن، ومكة

وسائر البلاد وعمال عمر وعثمان بالبصرة، والكوفة، ومصر، والشام، ومن

الباطل المتيقن الممتنع الذي لا يمكن - أن يكونوا - رضي الله عنهم - طووا علم

الواجب، والحلال، والحرام عن سائر الأمصار واقتصروا به على أهل المدينة،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ١٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ١٤٤