حلفائها، ويقال: إن حلفاءها أنفسهم يشترطون تدمير حصون البوسفور والدردنيل،
ونزع السلاح منهما، وعدم تسليحهما في المستقبل، وقيل: إن الآستانة تكون منطقة
حرة؛ ولكنها إن صارت إلى الروس فلابد أن يغتنموا أول فرصة لتحصين الزقاقين
بعد أن يستعدوا لذلك سرا.
(12) إذا ظفر التحالف الألماني ظفرا تاما، فالمشهور أن ألمانية تريد أن
تضم مملكة بلجيكة إلى ممالك الاتحاد الجرماني، ولا يدرى أيراد جعل بولونية
مستقلة أم تابعة لها أم للنمسة، ولا بد حينئذ من جعل النفوذ الأعلى في البلقان للنمسة،
ويقال: إن ألمانية لا تطمع في أخذ شيء، مما استولت عليه من مملكة فرنسة، إلا
سواحل بحر المانش؛ ولكنها تطمع في جميع مستعمراتها الأفريقية الشمالية،
وتعطي الدولة العثمانية القوقاس الروسية أيضا، وقد اشتهر أنها تمنيها بإنشاء
إمبراطورية إسلامية كبيرة، ثم إنها تفرض على خصومها غرامة حربية ثقيلة،
وأما استعادة ما أخذ من مستعمراتها، فهي من البديهات التي لا حاجة إلى ذكر طلبها
لها، هذا أقل ما يقال عنها، وقيل بل هي تطمع في جعل أوربة كلها تحت
سيطرتها، لما وجد في مؤلفات غير واحد من رجال العلم والسياسة والحرب فيها
من الحث على السعي لجعل العالم كله خاضعا للنفوذ الألماني، ومستمدا من
الحضارة الألمانية.
ومن الناس من يقول: إن هذه مزاعم افتحرها أعداء ألمانية لينفروا عنها
الشعوب التي على الحياد، ويحملوها على مناوأتها، ولكن وجد من النقل عن
الألمان ما يدل على ذلك، وهو غير بعيد عن العقل، وشواهد التاريخ، فإن بطرس
الأكبر على كونه هو البادئ بتقوية روسية كان يرمي إلى هذا الغرض، ونابليون
الأول كان يمني نفسه به، ومن أصول تربية الأمم أن يبث فيها عقيدة تفضيل نفسها
على غيرها، وكونها أجدرها بالسيادة والسعادة، وكل أمة لا تعتقد هذا الاعتقاد لا
يمكن أن تسود وتعتز؛ ولكن الأمة إذا لم تبن جميع أعمالها الاجتماعية على أساس
هذه العقيدة يقتلها داء الغرور، ولا سيما إذا احتقرت غيرها من الأمم، ولم تقدر
مزاياها حق قدرها، ومن المحتمل أن يكون بعض علماء الألمان بثوا في أمتهم هذه
العقيدة لأجل أن ينهضوا بها في ميادين المسابقة والمباراة للأمم التي سبقتها إلى
الاستعمار وغيره، ثم اغتروا بما وصلوا إليه من العلم والثروة والاستعداد الحربي،
فقرب ذلك إلى عقول كثير من حكامهم وقوادهم أنه يمكن لدولتهم القضاء على قوى
الدول الاستعمارية الثلاث (إنكلترة وفرنسة وروسية) وجعلهن تحت سيطرة ألمانية،
وحينئذ تمنعهن من تجديد الاستعداد للحرب، فتنفرد بسياسة العالم في الشرق
والغرب، ولا يبعد أن تزين لكثير منهم فلسفة حب السيادة أن هذا يكون خيرا للبشر
لأنه يمنع أسباب الحروب بمنع تنافس التحاسد الذي من شأنه أن يكون بين الأقران
من الدول، كما يكون بين الأقران من الأفراد، وأن يتخيل هؤلاء الفلاسفة أن العالم
لما صار باتصال بعضه ببعض كالأمة الواحدة - وجب أن تكون له دولة واحدة
ترجع إليها السلطة العليا، كما ترجع سلطة الولايات من المملكة الواحدة إلى السلطة
العليا في عاصمة المملكة، لأن التفرق مدعاة العداوة والشقاق المفضي إلى التقاتل
والتفاني.
وقد يرد عليهم فلاسفة سائر الأمم بأن ما يزعمونه خيال تولد من اقتران حب
السلطة بالغرور بالقوة، وأن حب السلطة غريزي في البشر، فلن ترضى أمة
بسيادة غيرها عليها مختارة، ولا سيما الأمم التي تمكن في قلوب أهلها عز الحرية
والسيادة، فلا يزال المسود يكيد للسائد، ويتربص به الدوائر، وقد انقرض في
الألزاس واللورين جيل، وتجدد جيل، فكان الجيل الجديد كسلفه يكره الألمان،
ويحب الفرنسيس، فالفلسفة الحق أن انتظام البشر لا يتم في هذا الزمان إلا ببنائه
على قاعدة استقلال الشعوب والأجناس، وأما القوة التي فوض إليها الحكم بين