والحلفاء هم المهاجمون في الغالب على أنها حرب خنادق كحرب الميدان الغربي.
(7) أخبار الحرب في العراق قليلة جدا، ومما لا ريب فيه أن الإنكليز قد
استولوا على جزء عظيم من ولاية البصرة.
(8) أخبار الحرب في القوقاس وما يسمونه أرمينية أقل من أخبار الحرب
في العراق، وأبعد عن الثقة من جميع الأخبار، فإنه لا يعرف منها شيء، إلا ما
يذيعه الروس في كل شهر من أخبار معركة كان لهم الرجحان فيها، ومن أخبارها
أن ضلع الأرمن في البلاد العثمانية معهم حتى أنهم يقاتلون معهم، وهذا خبر معقول
ومنتظر، وكان العثمانيون يقاتلون الروس في بلاد القوقاس الروسية، ومن أخبار
الروس الأخيرة أنهم هم استولوا على مدينة (وان) العثمانية بمساعدة الأرمن فيها،
ونصبوا عليها واليا من زعماء الأرمن، ويقال: إن الترك فتكوا بالأرمن فتكا ذريعا.
(9) إن كل فريق من الأحلاف اجتهد منذ اشتعلت نار الحرب في جذب
الدول التي على الحياد إليه، ولو بالعطف والمودة، ففاز التحالف الإنكليزي بانتزاع
إيطالية من التحالف الألماني، وحملها على خوض غمرات الحرب معه، وهو يبذل
جهده منذ سنة لجذب دول البلقان إلى قتال العثمانية والنمسة ولا يزال البلقانيون بين
الإقدام والإحجام، لما بينهم من أسباب النزاع والخصام، ولطمعهم في تراث الترك
والنمساويين من جهة، وكراهتهم أخذ الروسية للآستانة وزقاقي البوسفور والدردنيل
من جهة أخرى، دع ما للنمسة وألمانية من النفوذ في البلغار، ولألمانية خاصة من
النفوذ في الرومان واليونان، فإن ملكي البلغار والرومان من أسرة عاهل ألمانية،
وملكة اليونان أخته، فوشيجة الحرم لها تأثير عظيم، ولكن أكثر الشعوب البلقانية
أميل إلى التحالف الإنكليزي ولا سيما الشعب اليوناني، فإنه شديد البغض للترك
والطمع في كثير من بلادهم، وشديد الميل إلى محاربيهم لذاتهم ولمحاربتهم لهم.
(10) قد اختلف الباحثون في عاقبة هذه الحرب ونتيجتها، والمعقول أنه
إذا نصر أحد الفريقين نصرا مؤزرا، وظفر ظفرا تاما، فإن رأس دوله تكون لها السيادة العليا في أوربة والشرق كله؛ ولكن دول الفريق الآخر أو ما بقي منها تذل
وتخزىزمنا طويلا تبذل فيه كل ما يستطيع بذله المستضعف المستذل في مقاومة خصمه من الكيد والحيلة إلى أن يستدير الزمان، وتديل له من عدوه الأقدار، وأما إذا
طال أمد الحرب حتى ضعف الفريقان، ونفدت قواهما، ولم يرجح أحدها على
الآخر بشيء، أو رجح بالدرهم أو القيراط، فلم يكن باستطاعته السيطرة على
خصمه، والاستمرار على قهره، فيوشك أن تكون شروط الصلح متعادلة، وتبقى
الموازنة بين الدول متقاربة، ويستمر ذلك عشرات من السنين يظهر فيها نبوغ
الشعب الذي يفوق غيره في الهمة والاستعداد، وهاك أشهر ما قيل في طمع كل
فريق من الآخر إذا انتصر انتصارا تاما أو قريبا من التام.
(11) مقصد دول التحالف الإنكليزي من الحرب الذي لا يكفون عنها
باختيارهم ما لم يصلوا إليه، وهو إزهاق الروح العسكري البروسي الذي نفخ في
جميع الشعوب الألمانية بالحرب، واعتقاد كونها فضيلة وكمالا للبشر ثم حل عقدة
الوحدة الألمانية، وإرجاع ممالكها الصغيرة إلى ما كانت عليه قبل الوحدة التي
أنشأها البرنس بسمرك سنة 1870، ومنعها من الاستعداد لحرب ثانية، والاستيلاء
على الأسطول الألماني، ثم حل إمبراطورية النمسة والمجر، وإعطاء كل دولة من
دول التحالف أبناء جنسه منها، وبهذا يستميلون دول البلقان إليهم الآن، لأن في
النمسة ملايين عديدة من الرومان، والسلاف، والطليان، وغيرهم، ثم تمزيق
المملكة العثمانية، وتقسيمها.
ومن البديهي الذي لا يحتاج إلى النص إرجاع بلجيكة كما كانت أما الآستانة
والزقاقان العظيمان اللذان على جانبيها، فالأرجح أن روسية لا ترضى بها بديلا، إن
ظفروا ظفرا نهائيا، بعد ما أصابها من الخسارة التي هي أضعاف خسائر سائر