في أوهامهم التي كانوا بالغوا فيها بشأن مسيحهم الذي كانوا ينتظرونه؟
وهل نسيت أن باب التأويل عند الناس في مثل هذه المسائل واسع، فإنهم يرجعون
إلى أوهامهم فيحورونها وإلى نبواتهم فيؤلونها؟ ولذلك تراهم أولوا صلبه بأن
ذلك إنما فعله بإرادته رغبة منه في خلاص البشر، مع أن المسيح كان يلح في
طلب النجاة من الله (متى 26: 38 - 44 ولو 22: 41 - 45) وقالت
أناجيلهم أنه قال: إلهي إلهي لماذا تركتني؟ وهو يدل على اليأس والقنوط من
استجابة دعائه (راجع أيضا مزمور 22 خصوصا عدد 14 و15 منه)
وأولوا فقدان جثة المصلوب بأنه قام من الموت. وأولوا ملك المسيح الذي
كانوا ينتظرونه بأنه سيأتي قريبا (رؤ22: 7 و10 و12 و20 ومت 16:
27 و28 و10: 23 ورؤيا 3: 11 ويع 5: 8 وبط 4: 7 ويو2: 18 وتسا
4: 15 - 17 وكو 10: 11 و15: 51 52 إلخ) ويرد الملك لهم ويحكم
في الأرض ألف سنة كما في سفر الرؤيا (20: 4 و7) وأن يوحنا لا يموت
حتى يجيء المسيح (يو 21: 22) فلما مات يوحنا ومضت القرون ولم
يجئ رجعوا إلى عبارته في يوحنا فوجدوها لا تفيد ما توهموه، وأولوا
جميع عباراته المزعومة وعبارات غيره الدالة على قرب مجيئه (حتى ما
في متى 24: 3 و29 - 41) وقالوا: إن ملكوته روحاني لا دنيوي إلخ إلخ.
وقد بين علماء الإفرنج في كثير من كتبهم أن اليهود لكثرة اختلاطهم
بالأمم الوثنية وتسلطها عليهم ورؤية اليهود ما لهم من عز ومجد ومدنية
ولطول زمن خضوعهم لهم يئس كثير من خواصهم أن يكون مسيحهم المنتظر
سلطانا دنيويا مخلصا لهم من تسلط هؤلاء الأمم الأجنبية القوية، وتأثروا بما
عندهم فاقتبسوا بعض أفكارهم الوثنية في آلهتهم التي قالوا: إنها نزلت بإرادتها
إلى الأرض لخلاص البشر بالخضوع للموت والصلب، وطبقوا هم أيضا هذه
الأفكار على مسيحهم، فقالوا: إنه سيكون شخصا إلهيا أو ابنا لله تعالى
وسيرسله لتخليص الناس بالموت والصلب طائعا مختارا. كما قال الوثنيون في
آلهتهم، فإن ميل اليهود للوثنية متأصل فيهم من قديم الزمان ولذلك كثيرا ما
عبدوا آلهة الأمم وكفروا مرارا بربهم وكانت نساء أورشليم يبكين على تموز
إله البابليين الذي قتل لأجل خلاص البشر ثم قام من الموت أيضا (حز 8:
14) وهذا هو سبب ورود بعض ما يشبه هذه الأفكار الوثنية في بعض كتب
العهد القديم كما في إشعيا (53) وميخا (5: 2-9) فلما جاء عيسى اخترع له
مؤلفو العهد الجديد بعد زمنه من الحوادث والصفات والأقوال ما يجعلهم قادرين
على تطبيق أوهام اليهود القديمة عليه (راجع مثلا ع 8: 26 - 40) هذا إذا
صح أن ما في تلك الكتب هو حقيقة إشارة إلى المسيح وصلبه وقدمه كما يزعمون،
على أن أكثر اليهود كان يرى فيها خلاف ذلك ويعتقد أن المسيح لا بد أن يكون
ظافرا منصورا لا مغلوبا مقهورا كما هو صريح أكثر النبوات الواردة في شأنه
في العهد القديم (راجع مثلا ميخا إصحاح 5 وزكريا 9: 9 - 17 وملاخي 3: