يعول النصارى على شهادتهم؟
فقيمة هذه التواريخ الوثنية عن مؤسس النصرانية عليه السلام هي كقيمة
كتابات بعض مؤلفي الإفرنج في القرون الوسطى الذين كانوا يكتبون عن
المسلمين أنهم يعبدون (ماهوم) أو غير ذلك من الأسماء، وأن له صنما
عندهم من ذهب في مكة أو أورشليم. ومنهم من زعم أنه رأى هذا الصنم
بعينيه إلخ ما نشر من خرافاتهم وهذياناتهم؛ فكذلك كانت كتابة الوثنيين عن
المسيح والمسيحيين.
فهي لا قيمة لها، ولا يجوز أن يعتبر شيء منها تاريخا صحيحا، فإنها
كلها مبنية على الإشاعات والاختلاقات والأوهام والأكاذيب بدون أن يكلفوا
أنفسهم أقل عناء في معرفة الحقيقة. ولم يكن للنصارى إذ ذاك شأن عندهم
حتى يلتفتوا للبحث في تاريخهم؛ ولذلك جهلوا حتى اسمهم واسم رئيسهم
يسوع [2] عليه السلام؛ فإذا قالوا: إنه صلب، أو: عبده جميع النصارى من
دون الله أو غير ذلك؛ فهي أقوال لا يهتم به أحد من المسلمين؛ فإنها صادرة
عن قوم لا يفهمون من أمر النصارى شيئا، وربما قاسوا بعض معتقداتهم
على معتقدات أنفسهم، ونظروا إليها بهذا المنظار وفهموها خطأ؛ فظنوا أنها
إما خرافات وخزعبلات كما قالوا في كتبهم عنها؛ أو أنها تحوير لعبادتهم
للآلهة الرومانية قام به المتنصرون منهم، أي أنهم ألهوا رئيسهم وعبدوه بدل
تلك الآلهة الرومانية [3] وما كانوا ليفهموا من النصرانية أكثر من هذا أو نحوه
كما كان يظن الأوروبيون أن المسلمين يعبدون محمدا عليه السلام وجهلوا
اسمه كما جهل الرومان اسم يسوع، وجعلوا له ثلاثة آلهة أو ثالوثا قياسا
على ثالوثهم [4] .
والخلاصة أن أمثال هذه التواريخ المبنية على مثل هذه الأوهام والجهل
لا تفيد النصارى شيئا؛ وهي لا قيمة لها بالمرة فلا يصح الاحتجاج بها على
المسلمين؛ هذا إذا كانت خالية من التحريف، فكيف وما خلت منه كما في
الوجه الآتي:
(2) إن هذه العبارة المذكورة في تاريخ تاسيتوس قال فيها كبار العلماء
من المحققين في أوربا: إنها إما أن تكون مدسوسة عليه أو محرفة بالزيادة
(راجع كتاب شهود تاريخ يسوع ص 20 -56) وكتاب (ملخص تاريخ الدين)
لمؤلفه جولد (Gould) ص22 مجلد 3.
وقد بين هؤلاء العلماء دلائلهم على صحة دعواهم هذه، ولكن يطول بنا
إيرادها في مثل هذه المقالة، والحق أن المؤلفات التي وصلتنا من طريق
النصارى لا يوثق بها؛ لكثرة تعودهم على تحريف جميع ما نقلوه من الكتب
التي وصلت إلى أيديهم سواء كانت دينية أو تاريخية أو غير ذلك، كما يعترف
بذلك علماء النقد منهم الآن، فكم من عبارة أظهروا تحريفها أو دسها! وكم
من كتب أظهروا وضعها واختلاقها ونسبتها إلى غير كاتبيها حتى لم يسلم من
عملهم هذا الكتب التي توجد عند غيرهم من الأمم كتاريخ يوسيفوس الموجود
عند اليهود أيضا؛ وقد بينا ذلك في كتاب دين الله (ص79 و80 منه) فمنذ
القرن الرابع حينما صارت دولة الرمان إليهم تصرفوا في كتبهم وفيما وصلهم
من كتب غيرهم بما شاءوا وشاءت أهواؤهم؛ ولم يخشوا حسيبا ولا رقيبا.
وقد بين العلامة أندريس (Andresen) أن أصل عبارة تاسيتوس
هذه في أقدم النسخ المخطوطة باليد مغاير للموجود في النسخ المتأخرة
في كلمة (Chrestianos) التي حرفوها إلى (Christianos)
والفرق بين الكلمتين عظيم، فإن الأولى بمعنى الطيبين والثانية بمعنى
المسيحيين وكانت الكلمة الأولى (Chrestianos) تطلق على عباد الإله
المصري (Chrestus) المسمى أيضا (Osiris) وكان عباده في
رومية إذ ذاك كثيرين من عامة الرومان ومن مهاجري المصريين، وهم
الذين كان يمقتهم الرومانيون الآخرون، واضطهدوهم كثيرا لأسباب دينية
وسياسية؛ ولشدة كرههم لأولئك المصريين واحتقارهم لهم لم يمكنهم أن
يميزوا بينهم وبين اليهود المصريين المهاجرين إليهم من الإسكندرية وغيرهم،
واعتبروهم كلهم سواء في الجنس والدين، فلما احترقت رومية نسبوا الحريق