ورفعهم عن الصلبان إجابة لطلب اليهود من بيلاطس فما الذي أخرهم عن تنفيذ
الأمر في الحال؟ ألا يدل ذلك على أن هذه القصة مصطنعة لتطبيق نبوات
قديمة على المسيح كما هي عادة كتبة الأناجيل؟ (راجع كتاب دين الخوارق
في الإنكليزية صفحة 837 و 838) .
وكيف يفسرون خروج الدم منه بعد الموت من الوجهة الطبية، وما هذا
الماء الذي رآه يوحنا خارجا من جنبه كما يقول إنجيله (19: 34 و35) .
(4) ذهب بعض علماء الإفرنج إلى أن المصلوب لم يمت؛ لأن مدة
الصلب كانت ست ساعات على الأكثر (راجع مرقس 15: 25 - 37)
وهي غير كافية للموت بالصلب، فإن المصلوب يموت عادة من يوم إلى ثلاثة
أيام؛ ولذلك تعجب بيلاطس من هذه السرعة (مر 15: 44) وقال بسبب
ذلك أوريجانوس وغيره من آباء الكنيسة القدماء: إن موته كان من خوارق
العادات؛ وأيضا فإنه لم تسمر إلا يديه فقط وربطت رجلاه؛ ولذلك لم يذكر
يوحنا إلا أثر المسامير في يديه ولم يذكر رجليه (يو20: 20 و25 و27)
ولم يرهما المسيح لتلاميذه بحسب هذا الإنجيل. وأما عبارة لوقا (24: 39
و40) فإنها تحتمل أن المراد بها أنه أراهم يديه ورجليه ليجسوهما؛ ليعلموا
أنه جسم حقيقي له لحم وعظم، كما قال؛ ليقنعهم أنه ليس روحا، وإنما أراهم
يديه ورجليه دون سائر جسمه؛ لأنه يسهل كشفهما دون باقي الأعضاء
الأخرى، على أن هذه القصة قد ردها علماء النقد المحققون (راجع كتاب دين
الخوارق في الإنكليزية صفحة 837 و838) .
هذا ولم يكن ربط رجلي المصلوب عند الرومانيين وغيرهم بأقل من
تسميرهما، إن لم نقل: إنه كان الغالب في الصلب، وفوق ذلك فإن عظامه لم
تكسر كما قال يوحنا (19: 36) وأما طعنه بالحربة فلم تذكرها الأناجيل
الأخرى، وقصتها مشكوك فيها كما بينا، وإذا صحت فيجوز أن الحربة لم
تنفذ إلى داخل الجسم، وتكون فقط قد قطعت الجلد والشحم وبعض العضلات
على أن الفعل اليوناني المترجم في الإنجيل بطعن (يو 19: 34) لا يفيد أن
الجرح كان غائرا كما يقول علماء هذه اللغة. ثم إن هذه الحادثة تدل على
الحياة أكثر من دلالتها على الموت، فإنه لو كان المصلوب ميتا لما سال منه
دم، فسيلان الدم منه هو أحد الدلائل على أنه كان حيا، فبعد أن سال منه جزء
من الدم بطل النزف كالمعتاد.
والظاهر أن هذه القصة اخترعت قديما لإثبات الموت؛ لجهلهم بعلم الطب
إذ ذاك. فلهذه الأسباب كلها قال العلماء: إن المصلوب لم يمت حقيقة وإنما
أغمى عليه إغماء شديدا كما حصل لبولس بعد أن رجم (أع 14: 19 و20)
فلما أنزل عن الصليب ودفئ بالكفن والكتان (مت27: 59) واستراح في
القبر وانتعشت روحه بالأطياب الكثيرة التي وضعها له نيقوديموس (يو 19:
40) أمكنه أن يقوم ويخرج من القبر، والذي أزال الحجر عن هذا القبر هي
الزلزلة التي ذكرت سابقا؛ أو أن مسألة الحجر هذه مخترعة؛ لأن العادة
كانت أن لا يوضع هذا الحجر إلا بعد مضي ثلاثة أيام (راجع كتاب دين
الخوارق ص 832) .
فلما قام المصلوب ومشى قليلا سقط ميتا بسبب ما تحمله من العذاب
وانهماك قواه، والجوع والعطش مدة طويلة وآلام الجروح والتهابها أو تعفنها
وربما ساعد على ذلك وجود بعض أمراض في أحشائه لم تعلم أو أنه أصابه
ذهول فألقى بنفسه من مكان عال أو زلت قدمه فهوى، إلى غير ذلك من
الأسباب المحتملة المتنوعة التي تسبب الوفاة في مثل هذه الحالة، ولم يعلم
المكان الذي مات فيه؛ فإن القبر كان خارج مدينة أورشليم في بعض جبالها،
وبسبب عدم وجود الجثة في القبر نشأت هذه القصص المختلفة عن القيامة.
هذا شيء مما يقال في هذه المسألة، وهو قليل من كثير مما يقوله علماء
أوربا الآن في الدين المسيحي حتى إنه ليخيل للإنسان أنه لا يمضي زمن
طويل حتى تخرج أوربا كلها عن النصرانية، وليس ذلك بعجيب عند من يعلم
أن أكبر العلماء والمفكرين هناك قد خرجوا الآن فعلا عن هذا الدين ونبذوه