نعم إنه لم يصرح بذلك حينما سألوه (أنضرب بالسيف) ؟ ولكن كان سكوته
إيعازا خفيا خوفا من اليهود ومن الدولة الرومانية؛ لأن الظاهر أنه كان عنده
أمل في النجاة منهم؛ ولذلك لما تم صلبه على زعمهم يئس وقال: (إلهي إلهي
لم تركتني؟) (مت 37: 46) .
ثانيا: إذا كان المسيح ابن الله الذي نزل من السماء للموت ليرفع خطيئة
العالم، فلماذا أراد الدفاع عن نفسه، ولماذا لم يسلم نفسه لهم طائعا مختارا؟
وما معنى هذه الصلاة الطويلة العريضة والإلحاح بطلب النجاة، وما حكمة
ذلك يا ترى؟ وهو يعلم أنه لا فائدة من هذا كله ولا بد من صلبه الذي جاء
لأجله.
ثالثا: إذا كان عبيد الله يقدمون أنفسهم للشهادة في سبيله بكل شجاعة
وثبات وإقدام، فكيف يمكن أن يجبن (ابن الله) عن مساواتهم في ذلك حتى
يتصبب عرقه من شدة الخوف من الموت، وليس في الموت إلا أنه يعود ثانية
إلى أبيه، فلم كره ذلك يا ترى؟ ولم هذا الحزن الشديد كما ذكر متى (26:
37 و38) ؟
رابعا: كيف يحتاج ابن الله الممتلئ من روح القدس إلى ملاك من السماء
ليقويه مع أنه في ناسوته يوجد أقنومين إلهيين (الابن، وروح القدس يو1:
32) وهما متحدان به، فهل هذا الملك عندهم أقوى من الله؟
خامسا: هل من العدل عند النصارى أن ينقذ الله المذنبين - آدم وبنيه
ويصلب ابنه البريء رغم إرادته وهو يستغيث به فلا يغيثه؟ فأين عدله
ورحمته؟ وإذا لم يكن عادلا رحيما بابنه، فهل مثل هذا الإله يرحم عبيده
ويعدل فيهم؟ ولم هذا الحب الكثير من إلههم لسفك دم الأبرياء من قديم الزمان؟
راجع قصة يفتاح الممتلئ من روح الله الذي قتل ابنته الوحيدة البريئة قربانا
لله وذكر الله قصته هذه في بعض كتبه ولم يزجر أباها ولم يعاقبه على ما فعل،
كأن قتلها كان مرضيا عنده تعالى (قضاة 11: 29 - 40) لأن أباها
أصعدها بعد قتلها محرقة له، فلعله سر من رائحتها والنيران تأكل جثتها
فلذلك ذكر هذه القصة ولم يذكر ما ينفر منها ليقتدي الناس بيفتاح هذا. راجع
أيضا مقالة القرابين والضحايا في كتابنا (دين الله) .
(3) يقول إنجيل يوحنا 19: 31 (ثم إذا كان استعداد فلكي لا تبقى
الأجساد على الصليب في السبت؛ لأن يوم ذلك السبت كان عظيما، سأل
اليهود بيلاطس أن تكسر سيقانهم ويرفعوا 32 فأتى العسكر وكسروا ساقي
الأول والآخر المصلوب معه 33 وأما يسوع فلما جاءوا إليه لم يكسروا ساقيه؛
لأنهم رأوه قد مات 34 لكن واحدا من العسكر طعن جنبه بحربة وللوقت
خرج دم وماء 36 لأن هذا كان ليتم الكتاب القائل عظم لا يكسر منه 37) .
وأيضا يقول كتاب آخر: (سينظرون إلى الذي طعنوه) . فإذا كانت هذه
القصة حقيقية ووقعت لتتميم نبوات قديمة، فكيف لم يشر إليها الثلاثة
الإنجيليون الآخرون؟ وليس هذا فقط بل إن عبارة مرقس (15: 42 -
46) تنافي هذه القصة؛ لأن يوحنا (19: 38) يقول: إن يوسف أتى إلى
بيلاطس بعد أن أمر بكسر سيقان المصلوبين وبعد أن ماتوا؛ فأذن له بأخذ
الجثة؛ فكيف إذا تعجب بيلاطس (حسب رواية مرقس) من موت المسيح
بسرعة حينما جاءه يوسف طالبا الجسد؟ ولماذا سأل قائد المائة قائلا: (هل
له زمان قد مات؟) (مر 15: 44) إذا كان حقيقة أصدر أمره بكسر سيقان
المصلوبين ورفعهم كما قال يوحنا؟ فهل بعد هذا الكسر يبقى موضع للعجب؟
ولا يخفى أن المسيح صلب بين اللصين (يو19: 18) فكيف تخطاه العسكر،
وكسروا ساقي الأول والآخر ولم يكسروا ساقيه بل كسروا الثالث قبله؟
فإن قيل: لأنهم رأوه قد مات. قلت: إذا كانوا متحققين من الموت فلماذا
طعنه أحدهم بالحربة في جنبه؟ وإن لم يكونوا متحققين فما الذي أخرهم عن
كسر ساقيه بعد صدور الأمر لهم بذلك؟ ولماذا ترددوا في إطاعة الأمر حتى
تخطوه إلى الثالث، وهل من شأن العسكر التردد والتوقف والبحث في مثل
ذلك؟ مع أن الأمر صدر لهم صريحا بكسر سيقان الجميع والتعجيل بموتهم