فهل لسيدي الأستاذ أن يتصدى للموضوع بباعه الطويل، وقلمه البليغ،
لتنجاب عنا هذه الغيوم، وتبيد تلك الهموم؟.
ابن منصور
(ج) إنني لم أنظر تقويم الأوقاف إلا معلقا على بعض الجدر من بعيد
فلم أر فيه شيئا من هذه الأحاديث، ولكني رأيت بعض ذلك في المؤيد، وقلت
لأحد محرريه: إن كثيرا منها لم يروه أحد من المحدثين عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم بسند صحيح ولا حسن ولا ضعيف، وبعضها مروي فيجب
على شارحها تمييز الحديث من غيره منها.
وإطلاق اسم الأحاديث عليها غير جائز؛ إذ ليس لمسلم أن يعتد بعزو
أحد حديثا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا إذا عزاه إلى بعض أئمة
المحدثين أصحاب الدواوين المعروفة في تخريج الأحاديث أو وثق بعلمه
بالحديث، سواء رأى هذا الحديث في جريدة أو كتاب أو سمعه من متكلم أو
خطيب، فإننا كثيرا ما نسمع من خطباء الجمعة الأحاديث الضعيفة
والموضوعة والمحرفة حتى صار يضيق صدري من دخول المسجد لصلاة
الجمعة قبل الخطبة الأولى أو في أثنائها، فمن سمع الخطيب يعزو إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم قولا يعلم أنه موضوع، يحار في أمره لأنه إذا سكت
على هذا المنكر يكون آثما، وإذا أنكر على الخطيب جهرا يخاف الفتنة على
العامة، والواجب على مدير الأوقاف منع الخطباء من الخطابة بهذه الدواوين
المشتملة على هذه الأحاديث أو تخريج أحاديثها إذا كانت الخطب نفسها خالية
من المنكرات والخرافات والأباطيل وما أكثر ذلك فيها.
وفي ص32 من فتاوى ابن حجر الحديثية أنه سئل عن خطيب يرقى
المنبر كل جمعة، ويذكر أحاديث لا يبين مخرجيها ولا رواتها، وذكر السائل
بعضها، وقال في ذلك الخطيب: إنه مع ذلك يدعي رفعة في العلم وسموا في
الدين، فما الذي يجب عليه وما الذي يلزمه؟
فأجاب بما حاصله أنه لا يجوز له أن يروي الحديث من غير أن يذكر
الرواة أو المخرجين إلا إذا كان من أهل المعرفة بالحديث أو بنقلها من كتبه
قال: وأما الاعتماد في رواية الأحاديث على مجرد رؤيتها في كتاب ليس
مؤلفه من أهل الحديث أو في خطب ليس مؤلفها كذلك - فلا يحل ذلك، ومن فعله
عزر عليه التعزير الشديد.
وهذا حال أكثر الخطباء فإنهم بمجرد رؤيتهم خطبة فيها أحاديث، حفظوها
وخطبوا بها، كذا من غير أن يعرفوا أن لتلك الأحاديث أصلا أم لا. فيجب
على حكام كل بلد أن يزجروا خطباءها عن ذلك. ويجب على حكام بلد هذا
الخطيب منعه من ذلك إن ارتكبه. إلخ.
وحاصل الجواب: أن ما طبع في تقويم الأوقاف من الأحاديث بعضها له
أصل صحيح أو غير صحيح، وبعضها لا أصل له، بل هو حكم منثورة
لبعض الحكماء والعلماء، وأنه لا ينبغي لمسلم أن يروي شيئا منه مسميا إياه
حديثا نبويا إلا إذا علم ذلك بالرواية عن الثقات في علم الحديث أو برؤيته في
بعض دواوين الحديث المشهورة كالصحيحين وكتب السنن، أو معزوا إلى هذه
الكتب وأمثالها في مثل الجامع الصغير، وليعلم أنه ليس كل ما في كتب السنن
وأمثالها كمسند الإمام أحمد من الأحاديث يصل إلى درجة الصحيح في
اصطلاحهم، بل فيها الصحيح والحسن والضعيف، وفيها ما عده بعض
المحدثين موضوعا، فليس لمن رأى فيها أو فيما نقل عنها حديثا لم يصرحوا
بقولهم: إنه صحيح، أن يقول: هو حديث صحيح، وكذا ما يراه في كتب الفقه
والأدب والمواعظ، فإن هذه الكتب يكثر فيها إطلاق الأحاديث بغير تخريج
وكثير منها واه وموضوع لا تحل روايته إلا للتحذير منه.
ومن الكتب المتداولة التي تكثر فيها الأحاديث الموضوعة والشديدة
الضعف كتاب (خريدة العجائب) وكتاب (نزهة المجالس) بل يوجد مثل
ذلك في بعض الكتب الجليلة كإحياء علوم الدين للإمام الغزالي، وأكثر كتب
التصوف لا يوثق بما فيها من الأحاديث.
والعمدة: التخريج والتصريح بالتصحيح أو التحسين، فالمناوي يعزو
الأحاديث في مسند الفردوس مثلا ولا يشير إلى صحتها أو ضعفها، فليس لك