على أن المجاملة لا تنحصر في اللعب بما هو محرم، ولا بما هو مباح
أيضا. ثم إن في مسألة اللعب بحثين، أحدهما: هل الألعاب المذكورة في
السؤال محرمة قطعا وهي من الميسر أم لا؟ وثانيهما: هل الدخول إلى حجرة
الخطابة من النادي لسماع شيء من العلم النافع يعد محرما لوجود حجرة تلعب فيها
تلك الألعاب عند من يرى تحريمها؟
أما اللعب بالنرد، فالجمهور على تحريمه إلا أبا إسحاق المروزي قال:
يكره ولا يحرم، وهو محجوج بحديث أبي موسى مرفوعا في صحيح مسلم
وسنن أبي داود وابن ماجه: (من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله) .
وعللوا ذلك بأنه كالأزلام يعول فيه على ترك الأسباب والاعتماد على الحظ
والبخت فهو يضر بذلك ويغري بالكسل، والاتكال على ما يجيء به القدر،
أي فيه معنى الميسر المبني على الكسب بالحظ والنصيب دون العمل والجهد،
وما أشد إفساد هذا في الأمم، وما أبعده عن الإسلام الذي يهدي أهله إلى الجد
والسعي والعمل، ولا يمكن التفصي من تحريم لعب النرد إلا إذا ثبت أن سبب
النهي عنه أنهم كانوا يلعبون به على مال؛ وأنه حرم لذلك، وليس عندنا نص
في ذلك، وهو لا يكون من الميسر حقيقة إلا إذا كان اللعب على مال.
وأما الشطرنج فالأكثرون على أنه غير محرم ومنهم الشافعية، قال
الشافعي: إنه لهو يشبه الباطل، أكرهه ولا يتبين لي تحريمه، وقال النووي:
إن أكثر العلماء على تحريمه وإنه مكروه عند الشافعي أي تنزيها، واشترط لتحريمه
أن يكون على عوض، أو يفوت على اللاعب الصلاة اشتغالا به عنها.
ولا يوجد حديث يحتج به ناطق بتحريمه، وكل ما لا نص من الشارع
على تحريمه فهو مباح لذاته؛ إذا لم يكن ضارا واستعمل فيما يضر، فإن
ترتب على فعل مباح حرام حرم لهذا العارض لا مطلقا، كأن يترك اللاعب
بالشطرنج ما يجب عليه لله أو لعياله مثلا، ويدخل في ذلك: اللعب بالورق، فإنه
لا نص فيه من الشارع، ولكن قال بحرمته بعض الشافعية، وهؤلاء قد جعلوا
للعب قاعدة فقالوا: إنه يحل منها ما فيه حساب وتفكر يشحذ الذهن كالشطرنج
دون ما كان كالنرد أو كان من العبث، والحق أنه لا يحرم إلا ما كان ضارا
كما تقدم آنفا.
ولا شك في كراهة الانهماك في اللعب والإسراف فيه، ولنا في النرد
والشطرنج فتوى مطولة في المجلد السادس من المنار، فليراجعها من شاء
(ص 373 - 376) .
وأما حضور الخطب والمحاضرات العلمية والأدبية في النادي فلا وجه
لتحريمها بحجة أن في النادي حجرة يلعب فيها لعب محرم؛ لأن الحرمة إنما
هي على اللاعب وعلى من يراه ولا ينكر عليه، وكذا يباح دخول أي مكان
من النادي ليس فيه منكر، وقد يستحب إذا كان فيه فائدة كموادة الأصدقاء
ومجاملتهم.
***
أحاديث تقويم ديوان الأوقاف
(س 8) من صاحب الإمضاء في الإسكندرية:
صاحب الفضيلة العلامة منشئ المنار الأغر:
ما قول سيدي الأستاذ - وهو المحقق الأوحد في فن الحديث الشريف - فيما
تذيل به صحائف التقويم الذي يصدره ديوان عموم الأوقاف عن حساب
الأيام والشهور ومواقيت الصلاة إلخ إلخ، من الجمل الحكمية التي اختيرت على
أنها أحاديث صحيحة من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس على كثير
منها صبغة ذلك الكلام البليغ الذي عهدناه في كتب الحديث الصحيح وأمهات
كتب الشريعة الإسلامية.
وإذا صح أن متخير هذه الحكم لم يحتط في بحثه ولم يرجع في مثل هذا العمل
الخطير إلى الإخصائيين الراسخين في علم الحديث والسنة، وهو أول وأحق ما
يجب اتباع قول الله فيه: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ (النحل:
43) فما عذر علماء مصر ورجال الدين فيها؟ وهذه الحكم تنتشر على صحائف
جريدة المؤيد، وتعلق عليها الشروح الضافية على أنها أحاديث صحيحة.
وكان يجوز أن نلتمس لهم بعض العذر لو بقيت هذه الأحاديث على صحائف
التقويم بين جدران الغرف، ولكن الأمر قد شاع وذاع وكثر اللغط فيه.