تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التي كانت السبب في فشل الجيش الذي كان متأهبا أتم التأهب ومجهزا أحسن

التجهيز ولم يكن ينقصه إلا حكومة منظمة - أي اتحادية - لتنتصر به على

البلقانيين كما انتصرت على الأرنؤوط، كما قال في جوابه لمكاتب جريدة

أوربية أخرى الذي بينته في المقالة الأولى، وطعن في كامل باشا فوصفه

بالغرور وحب الانتقام، رمتني بدائها وانسلت.

ثم نقل المقطم بعد ذلك أن مكاتب التيمس في برلين قال تعليقا على هذا

الحديث: لم تعد الدوائر السياسية في ألمانية تعير ما يتشدق به الاتحاديون أذنا

صاغية، حتى أن الذين كانوا يعجبون بجاويد بك وزملائه صاروا أشد الناس

انتقادا لهم، وأكثرهم سخرية بهم ويذهب أولو الرأي في ألمانية الآن إلى أن

السياسة التي بثها الاتحاديون في الجيش كانت السبب الأكبر في فشله وانكساره.

ثم تنبه نصارى سوريا في مصر وفيها إلى نفاقهم، وبقي أفراد منهم في

البرازيل على انخداعهم، وظل بعد هذا كله بعض مسلمي السوريين يغرون

الناس بهم، إما بأجر قليل، وإما اتباعا للوهم، وكان يجب أن يجمع العرب

على مقتهم ومحادتهم؛ لأن العرب أبغض الناس إليهم، وإنني أعتقد أن أكثر

الذين يتحيزون إليهم منا منافقون وطلاب مال وجاه، وأقلهم مخدوعون

مصدقون أنهم يعملون للجامعة الإسلامية، وإنني أذكر مثالا من مخادعتهم

للمسلمين بهذه المسألة:

لما ألممت ببيروت في رمضان الماضي وأنا عائد من رحلتي الهندية

زارني ليلة مع الزائرين بعض رجال الحكومة في الدار التي كنت نازلا فيها

وكان فيهم رجل من رجال القضاء (العدلية) من إخواننا الترك فنقل الحديث إلى

الجامعة الإسلامية وفوائدها للدولة، وادعى أن جمعية الاتحاد والترقي ترمي

إلى إحياء هذه الجمعية فقلت له: إنما ترمي إلى إحياء الجامعة التركية،

وتتجر باسم الجامعة الإسلامية، تجذب بهذا الاسم المسلمين الغافلين، وتخيف

الأوربيين المستعمرين، وإنني أدرى الناس بمكانها من الدين فقد جئت الآستانة

بإذن الجمعية لأجل مشروع الدعوة والإرشاد الذي شهد العقلاء من الاتحاديين

وغيرهم أنه أنفع ما يخدم به الدين، وكنت موعودا من الجمعية بالمساعدة

عليه، ثم لما عرف زعماء الجمعية حقيقة المشروع وأنه خدمة حقيقية للدين

قاوموه ولم ينفذوه؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وكانوا يظنون أن إسلامي

سياسي فيسهل جعلي آلة سياسية، فلما تبين لهم أن إسلامي إيمان ونية وعمل،

ظهر لهم أن مشربي يخالف مشربهم، وعملي يناقض عملهم، وقد كان

بعض علماء الآستانة يحذرني منهم ويقول: لا يغرنك منهم إظهار الميل إلى

مساعدة مشروعك (وهم يقولون) تشبثك فإنهم يريدون أن يستفيدوا من

اسمك وشهرتك ليظن المسلمون أنهم يريدون الخير للإسلام، وكان هؤلاء

العلماء يرون أن عدم تنفيذهم للمشروع خير من تنفيذهم إياه مخادعة ورياء

لأن الأمور بمقاصدها.

وكان هنالك علماء ونبهاء آخرون يرون أن الرياء قنطرة الإخلاص،

وأنهم إذا نفذوا المشروع يربحه المسلمون ولا يضره رياء مساعديه، إذا

صحت نية القائمين به، وكان من رأي هؤلاء أن أكتم عن الجمعية حقيقة

مرادي، وأوهمها أنني أريد أن أربي أناسا يكونون دعاة للدين في الظاهر

ولسياسة الجمعية في الباطن، وأن أطلب جعل تعليم الفنون في هذه المدرسة

الإسلامية العامة باللغة التركية لا العربية ليقبلوا المشروع، وبعض أصحاب

هذا الرأي من الذين انتموا إلى الجمعية ليتمكنوا بنفوذها مما يريدون من الخير

لأنفسهم ولأمتهم، ولكنني لم أقبل نصحهم وقلت: إنني لا أجعل الباطل وسيلة

إلى الحق، فأنا أبين لهم كل مرادي، وإنني لا أريد ولا أقبل أن يكون المشروع

آلة سياسية بل دينيا خالصا؛ لأن السياسة تفسده باختلاف الأحزاب والحكام

من الداخل، وبمقاومة أوربة من الخارج، ومن الجهل والغرور أن نظن أننا

نستطيع أن نخدع أوربة، فإن الجاهل القاصرلا يستطيع أن يخدع العالم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٦٥