تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(8) حاشية: إذا صحت عقيدة النصارى في الصلب والخلاص المبشر به فلماذا لم يقتل المسيح نفسه أو يطلب من تلاميذه أن يقتلوه قربانا لله بدلا من أن يوقع اليهود في هذا الإثم العظيم؟ فكأن الله تعالى بعد أن دبر هذه الوسيلة لخلاص الناس من سلطة الشيطان لم يقدر أن يخلص بها أحب الشعوب إليه المفضلين على العالمين الذين - خصهم كما يقولون - بالوحي والنبوة والمعجزات العظيمة من قديم الزمان ولم يعتن بأحد غيرهم اعتناءه بهم حتى جعلهم الواسطة الوحيدة لهداية البشر أجمعين إلى دينه الحق؟! أما كان هؤلاء الناس أولى بالخلاص دون سواهم؟ فلماذا إذا أوقعهم في هذا الذنب العظيم بصلبهم المسيح بدون إرادته، مع أنه كان يمكنه أن يقدم ابنه هذا البريء بدون إيقاعهم في هذا الإثم الكبير؟! ألا يدل ذلك - لو صح - على أن الشيطان قد نجح في إهلاك أحباب إلههم وشعبه المختار وعجز هذا الإله عن تخليصهم من مخالبه بعد أن فكر في ذلك مدة طويلة، ثم صلب نفسه، ومع ذلك لم تنجح حيلته!! فوا أسفا على هذا الإله الضعيف الذي غلبه الشيطان وجعله يندم على خلقه الإنسان ويحزن (تك 6: 6 و7) وأوقعه في الحيرة والارتباك من قبل ومن بعد الطوفان تك (8: 21 و22 و11: 6 و7) إلخ إلخ وما أغناه عن هذا كله لولا حبه في سفك الدماء كثيرا (قض 11: 29 -40) حتى سفك دم نفسه وقاده الشيطان إلى هذا الانتحار (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) وجاءه من قبل ذلك مجربا وممتحنا ليسجد له ليكفر (مت 41: 10) ولم يكتف بذلك - على حسب زعمهم -

بل أصاب ويصيب عباده بالصرع وأنواع الشلل والبكم والصمم والجنون والعتاهة وغير ذلك من الأمراض التي تنسبها إليهم كتبهم إلى تأثير الشيطان ولا يقدرون للآن على تخليص الناس من شره وسلطانه، فما أعظمه عندهم من لعين قادر حتى قهر العالمين وإلههم!! فمن منهما سحق الآخر على ما يقول سفر التكوين (3: 15) (سبحان الله رب العزة عما يصفون) وإذا صح أن المسيح ادعى الألوهية بين اليهود (يو 8: 58 و10: 30 و33) فأي ذنب عليهم في قتله وهم لم يفعلوا شيئا سوى تنفيذ ما أمرهم الله تعالى به على لسان موسى؟! قال في سفر التثنية (13: 1) إذا قام في وسطك نبي أو حالم حلما وأعطاك آية أو أعجوبة 2ولوحدثت الآية أو الأعجوبة التي كلمك عنها قائلا: لنذهب وراء آلهة أخرى لم نعرفها ونعبدها، إلى قوله: وذلك النبي أو الحالم ذلك الحلم يقتل) فإذا كان الله يعلم أن المسيح سيدعى الألوهية ويدعو الناس لعبادته، فلماذا وضع هذا الحكم في الشريعة الموسوية؟ ولما أنفذه اليهود إطاعة له كرههم وغضب عليهم!! فلم هذا التضليل ولم هذا الظلم؟ فمقتضى عقيدة النصارى أن الله تعالى عاجز جاهل، ولذلك ما كان يعلم المستقبل، وكان كما يقول سفر التكوين: يضطر للنزول ليشاهد بنفسه أعمال البشر (تك 11: 5 و6 و18: 21) التي أغضبته وجعلته يندم ويحزن. فكأنه ما كان يعلم ماذا يصير إليه أمر الإنسان، ولذلك ترى أنه بعد أن دبر طريقه الخلاص ومات صلبا لم يخلص من البشر إلا قليل بالنسبة لمجموعهم، وأهلك بسبب ذلك أفضل أمة عنده (تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا) .</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٥٩