تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أخرى كانفتاح القبور وقيام الراقدين من الموت ودخولهم المدينة، إلخ إلخ

(27: 51 - 54) وكل هذه أشياء يراد بها التهويل والمبالغة، ولا يخفى على

عاقل مكانها من الصحة ولذلك رفضها المحققون من علماء أوروبا اليوم. ولو

وقعت لكانت أغرب ما رأى الناس ولتوفرت الدواعي على نقلها فنقلها كتبة

الأناجيل كلهم ممن اعتمدت الكنيسة أناجيلهم ومن غيرهم ولاشتهرت فنقلها

المؤرخون كيوسيفوس وغيره.

ولا ندري متى قال المسيح لليهود أنه سيقوم في اليوم الثالث؟ ولماذا

يظهر نفسه لهم؟ وما فائدة هذا الجسد المادي الذي كان يحتاج للأكل والشرب

بعد القيامة (لو 24: 41 و42) حتى يحيا بعد الموت ويبقى إله العالمين

مقيدا به إلى الأبد؟ نعم ورد في إنجيل يوحنا أنه قال لليهود (2: 19) :

انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه. ولكن نصت هذه الأناجيل على أن

اليهود لم يفهموا هذا القول بل ولا تلاميذ المسيح أنفسهم (انظر لوقا: 18:

34، ويو 2: 21 و22 و20: 9 ومر 9: 32) وقد كذب هذه العبارة متى

نفسه فقال: إنها شهادة زور (26: 60 و61) فكيف إذا أرسل اليهود كما

قال متى حراسا ليضبطوا القبر خوفا من ضياع الجثة؟ وأي شيء نبههم إلى

ذلك العمل مع أن أقوال المسيح لم يفهمها نفس تلاميذه إذا صح أنه قال هذه

العبارة أو غيرها؟ أما قوله لليهود (متى 12: 40: لأنه كما كان يونان

في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض

ثلاثة أيام وثلاث ليال) قد قال فيه بعض محققيهم مثل بالس وشاتر إنه زيادة من

كاتب الإنجيل للتفسير. وهي زيادة خطأ فلم يمكث إلا يوما وليلتين ولذلك لم ترو

هذه الزيادة في إنجيل من الأناجيل الأخرى، وقول متى 12: 39: ولا تعطى له

آية إلا آية يونان النبي. يريد به أنه كما آمن أهل نينوى بيونان (يونس) من

غير أن يروا منه آية كذلك كان الواجب أن تؤمنوا بي بدون اقتراح آيات وبدون

عناد، ولذلك قال بعد ذلك 41: رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل

ويدينونه لأنهم تابوا بمناداة يونان، وهوذا أعظم من يونان هنا. وفي القرآن

الشريف نحو ذلك أيضا {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما

آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين} (يونس:

98) وعلى كل حال، إذا كان نفس تلاميذه لم يفهموا ذلك إلا بعد قيامته

(يو 20: 9) مع أنه كان أخبرهم به أيضا على انفراد (مت 20: 17) فكيف

فهمه اليهود قبلهم؟ وكيف لم يصدق التلاميذ قيامته حينما أخبروا بها؟

(مر 16: 11) إذا صح أن المسيح أنبأهم بها من قبل؟ وكيف يعقل أن رؤساء

الكهنة والفريسيين يذهبون إلى بيلاطس في يوم السبت كما قال متى (27:

62) وينجسون أنفسهم بالدخول إليه وبالعمل في السبت كضبط القبر بالحراس

وختم الحجر (مت 27: 66) مع أنهم هم الذين لم يقبلوا الدخول إلى بيلاطس

يوم محاكمة المسيح خوفا من أن ينجسوا أنفسهم فخرج هو إليهم كما قال يوحنا

(18: 28) وهم الذين سألوه إكراما للسبت أن لا تبقى المصلوبون على الصليب

فيه (يو 19: 31) فما هذا التناقض وما هذه الحال؟

ولنرجع إلى ما كنا فيه: وقد اعتقد جمهور الناس في ذلك الوقت أن

المصلوب هو المسيح وأنه قام من الموت ولما لم يجدوا يهوذا الإسخريوطي

قالوا: إنه انتحر بشنق نفسه. وربما أنهم بعد بعض الأيام وجدوا خارج أورشليم

في بعض الجبال جثة مشقوقة البطن من التعفن الرمي فظنوها جثته (ع 1: 18)

ويجوز أنها كانت جثة المسيح نفسه على القول بأنه مات بعد هروبه من

السجن كباقي الناس، ولم يرفع إلى الله تعالى إلا رفعا روحانيا معنويا كقوله

تعالى: ﴿ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض﴾ (الأعراف: 176)

وكقوله: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ (فاطر: 10) وقوله:

﴿ورفع بعضهم درجات﴾ (البقرة: 253) وفي معنى ذلك أيضا قوله تعالى:

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٥٣