يقم به بعض المسلمين أثم الجميع، وإنه يجب على المسلمين الهجرة من البلاد التي
ليس لهم حرية فيها في إظهار دينهم والدفاع عنه، وإننا مع هذا نفضل أن يسكت
هؤلاء المعتدون عنا ونسكت عنهم.
على أن مجالهم أوسع في الرد علينا؛ لأننا نؤمن بنبيهم وكتابهم الذي أنزله الله
عليه ونعد الطعن فيه كفرا كالطعن في نبينا بلا فرق، فلا نستطيع أن نقول كما
يقولون، ولا أن نخوض كما يخوضون.
ألا إنه لم يكن يظن أحد من الناس أن الحرية التي كانت مصر تفاخر فيها
أوربة من كل وجه تتضاءل بعد لورد كرومر حتى يطمع الطامعون فيها بمثل ما
ذكرنا، وهي التي رفعت اسم إنكلترة حتى صار جميع مسلمي الأرض يفضلونها
على جميع دول أوربة، ضعفت في مصر الحرية السياسية فخفف على الناس
المصاب فيها راحتهم من أولئك الأحداث السفهاء، فإذا اضطهدت الحرية الدينية
فأي شيء يخفف على المسلمين مصابها ويعزيهم عنها؟ على أن الذي ظهر لنا أن
أولي الشأن قد أقنعوا أولئك السعاة المحالين بأنهم هم المعتدون وأنه يصدق على رد
المنار عليهم: واحدة بواحدة، بل بمئات، والبادي أظلم.
***
(مسألة الأرمن وتعصب أوربا الديني)
لم تكد دولتنا تمضي عقد الصلح بينها وبين اليونان، وتنفض يدها من حرب
البلقان حتى فاجأتها الدولة الروسية بما ليس في الحسبان، إذ اقترحت أن تكون
الولايات الخمس التي يقيم فيها الأرمن مستقلة في إدارتها يتولاها كلها حاكم أوربي أو
عثماني مسيحي تختاره الدول الكبرى ويعينه السلطان (كمتصرف لبنان بل نفوذ
الدولة فيه أضعف) وأن تكون مجالسها العمومية نصفها من الأرمن والنصف الآخر
من غيرهم، وفرنسة وإنكلترة تؤيدان روسية في طلبها، فليتأمل العاقل كيف يدخل
التعصب الديني في أعمال أوربة وسياستها، هذه الولايات فيها زهاء خمس ملايين
من المسلمين وثلاثة أرباع المليون من الأرمن، وفيها كثير من اليهود أيضا، وتريد
دول الإنسانية والمدنية أن يكون نصف الأعضاء الذين يديرون أمرها من النصارى
مع جعل الحاكم منهم. فإن كانت المسألة دينية فما هو المرجح لدين النصارى؟ وإن
كانت جنسية ففي تلك الولايات الترك والعرب والكرد واللاز والإسرائيليون؛ فلم لم
يكن لكل جنس أعضاء يمثلونه؟
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">