تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يمكن أن يكون له قلبان يجمع بهما بين الضدين، وهما ابتغاء رضوان الله

وابتغاء مرضاة الكافرين والمنافقين والإخلاص فيكون في وقت واحد مخلصا

لله ومخلصا لأعداء دينه، ومن هذا الباب قول الشاعر:

لو كان لي قلبان عشت بواحد ... وتركت قلبا في هواك معذبا

فهل يتعلق اكتشاف قلبين لحميين لرجل واحد - إذا صح - بشيء من

مراد الشاعر هنا؟ لا، إلا إن كانت إدراكاته ووجداناته النفسية صارت تجمع

بين الضدين في حال وزمن واحد كأن يكون مؤمنا كافرا، محبا مبغضا، آمنا

خائفا، من غير ترجيح بين هذه الأشياء المتقابلة، وهذا محال.

***

ترتيب آي الرحمن الرحيم

(س6) من صاحب الإمضاء الرمزي في جبل لبنان:

حضرة الفاضل العلامة السيد رشيد رضا منشئ المنار الأغر. بعد السلام،

أعرض أنه قد تجاهل بعضهم حكم الله تعالى وآياته المحكمة التي أنزلت على

نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والتي أحرزت بقوله: {قل لئن اجتمعت الإنس

والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض

ظهيرا} (الإسراء: 88) وأخذ مأخذه من التغيير والتأويل والتحريف والتبديل،

مدعيا ما لم يدعه أحد قبله في العصور الخالية، وهو أن البسملة التي هي فاتحة

الكتاب، فيها خلل يعثر عليه المنتبهون مثله من ذوي الألباب، وهو أن البلاغة

تقضي بتقديم الرحيم على الرحمن.

فأرجو من سيادتكم وإرشادكم أن تبينوا هذا لمن جهل الحقيقة على

صفحات مناركم المنير، كيلا يتشبث بهذا التشبث من غلب عليه الجهل من

المسلمين.

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... م. ح

(ج6) إن بعض المتعصبين الكارهين للشيء لا ينظرون إليه إلا نظرة

الكاره الملتمس للمذام والمعايب، فإذا وجدوا منفذا لشبهة يشوهون بها حسنه

عدوها حجة ناهضة، وقد استنبط بعضهم الاعتراض الذي أشار إليه السائل من

قول أكثر المفسرين للبسملة: إن لفظ الرحمن أبلغ وأعظم معنى من لفظ الرحيم؛

لأنه أكثر حروفا، والأصل أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى،

وفسروا (الرحمن) بأنه المنعم بجلائل النعم، والرحيم بأنه المنعم بدقائقها،

وأوردوا على هذا أن الترتيب لا يكون على قاعدة الترقي في الكلام بالانتقال

من الأدنى إلى الأعلى، وأجابوا على ذلك بأن الترقي إنما يكون هو الأبلغ إذا

كان اللفظان - كعالم ونحرير - يدل أحدهما على معنى الآخر وزيادة، فإنك إذا

قلت: فلان نحرير عالم كان لفظ عالم، تكرارا لا فائدة له؛ لأن لفظ نحرير يدل عليه؛

لأن النسبة بينهما هي العموم والخصوص، وذكر الأخص يستلزم الأعم ولا عكس.

وكلمتا (الرحمن الرحيم) ليستا من هذا القبيل؛ لأن (الرحمن) هو المنعم

بجلائل النعم فقط، فبدئ به لأنه الأعظم معنى، والمقام مقام الثناء فيقدم فيه الأبلغ

الأدل على الفضل، ثم جيء بلفظ (الرحيم) كالمتمم للمعنى؛ ولئلا يحجم من

يحتاج إلى النعم الدقيقة عن طلبها من الله تعالى. وهذا توجيه قوي جهله أو

تجاهله المعترض المتعصب فقال ما قال.

على أن هذا التفسير للاسمين الكريمين ليس هو التفسير الذي لا معدل

عنه، فقد اختار الأستاذ الإمام قول بعضهم: إن لفظ (الرحمن) من قبيل

الصفات العارضة كالعطشان والغضبان، ولفظ (الرحيم) من الصفات الثابتة

كالحكيم والعليم، فذكر الوصف الدال على التلبس بالرحمة بالفعل عند عروض

الحاجة إليها بالنسبة إلى البشر لا إلى الله تعالى الذي لا يطرأ عليه تغيير، ثم

ذكر الوصف الدال على الثبات والدوام ليفهم العربي من أسلوب كلامه أنه

سبحانه وتعالى متصف بالرحمة بالفعل عند حاجة العباد إليها، وأنها مع ذلك

صفة ثابتة له في الأزل والأبد بصرف النظر عن تعلقها بالعباد، وهو وجه ظاهر.

وهنالك وجه آخر في حسن الترتيب وبلاغته، وهو أن (الرحمن) هو

الوصف الذي عد من قبيل اسم العلم واسم الذات؛ ولذلك قال تعالى {قل ادعوا

الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} (الإسراء: 110) وأما

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٤٢