حياته ومنشؤها كما يعرف ذلك في الحبوب، وهنالك مناسبة أخرى للقلب هو أن
قلب الحيوان هو مظهر حياته الحيوانية ومصدرها، وللوجدانات النفسية
والعواطف تأثير في القلب الحسي يشعر به الإنسان، ومهما كانت المناسبة التي
كانت سبب التسمية فلفظ القلب يطلق في القرآن بمعنى النفس المدركة
والروح العاقلة التي يموت الإنسان بخروجها منه، قال تعالى: {وبلغت القلوب
الحناجر} (الأحزاب: 10) أي الأرواح لا هذه المضغ اللحمية التي لا تنتقل من
مكانها، وقال: ﴿فتكون لهم قلوب يعقلون بها﴾ (الحج: 46) أي نفوس أو
أرواح وليس المراد أن القلب الحسي هو آلة العقل. وقال: {نزل به الروح الأمين
* على قلبك} (الشعراء: 193-194) أي على نفسك الناطقة وروحك المدركة،
وليس المراد بالقلب هنا المضغة اللحمية ولا العقل؛ لأن العقل في اللغة ضرب
خاص من ضروب العلم والإدراك لا يقال: إن الوحي نزل عليه، ولكن قد تسمى
النفس العاقلة عقلا كما تسمى قلبا، وقد يعزى إلى القلب ويسند إليه ما هو من
أفعال النفس أو انفعالاتها التي يكون لها أثر في القلب الحسي كقوله تعالى: ﴿إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ (الأنفال: 2) وقوله: ﴿يجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم﴾ (آل عمران: 156) وقوله: ﴿ويذهب غيظ قلوبهم﴾ (التوبة: 15)
وللاشتراك بين القلب المعنوي وهو النفس، والقلب الحسي وهو المضغة التي
ينبعث منها الدم؛ أو لأن الاسم الأول مأخوذ من الثاني، وإن صار
مستقلا بمعناه، قال تعالى: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في
الصدور} (الحج: 46) أما الجوف في قوله تعالى: {ما جعل الله لرجل من
قلبين في جوفه} (الأحزاب: 4) فقد يراد به الصدر، وقد يراد به ما هو أعم منه،
فإن جوف الشيء باطنه كقلبه، فالرأس له جوف وفيه الدماغ، والقلب له جوف
وفيه السويداء، فعلم مما تقدم أن القلب في هذه الآية هو الروح الإنساني
المدرك.
روى أحمد والترمذي وحسنه، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم،
والحاكم وصححه، وغيرهم عن ابن عباس أنه قال في سبب نزول هذه الآية:
(قام النبي صلى الله عليه وسلم يوما يصلي فخطر خطرة، فقال المنافقون
الذين يصلون معه: ألا ترى أن له قلبين قلبا معكم وقلبا معهم، أي: مع
أصحابه الصادقين) .
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن قال: كان رجل من قريش
يسمى ذا القلبين كان يقول: لي نفس تأمرني ونفس تنهاني. فأنزل الله فيه ما
تسمعون.
وروي أنه وجد من المشركين من ادعى أن له قلبين يفهم بكل منهما أو
يعقل أفضل من عقل محمد، وأنه هو أو غيره كان يدعى ذا القلبين، وأن الآية
ردت هذا الزعم كما أبطلت مزاعم التبني والظهار من ضلالات العرب،
ومعنى القلب اللحمي غير مراد على كل حال.
ولو فرضنا أن المراد بالآية نفي أن يكون للإنسان قلبان حسيان لكان
الكلام صحيحا، سواء صحت رواية الجريدة أم لا، ولا تصلح أن تكون هذه
الرواية ناقضة لخبر الآية لا لأن خبر الآية ماض وما اكتشف بعدها لا ينقض
خبرها عما قبله؛ بل لأن بيان أحوال الخلق إنما تبنى على ما مضت به السنة
العامة التي يعبرون عنها بالناموس الطبيعي؛ والشاذ لا حكم له، ولا يعد
مكذبا لمن يخبر عن السنن الكونية بما هو المعروف.
فإذا قال علماء وظائف الأعضاء والتشريح: إن جسد الإنسان مركب من
رأس ويدين ورجلين مثلا، وإن لكل يد ورجل خمس أصابع فلا ينقض قولهم
هذا ولادة طفل برأسين أو أكثر من يدين بست أصابع، ونحو ذلك مما يسمونه
فلتات الطبيعة.
وإذا أنت تدبرت السياق الذي وردت فيه الآية وفهمت المراد منها بمعونته
علمت أن مسألة اكتشاف رجل له ولكل من أولاده قلبان لا يدنو من معنى الآية
بوجه ما. ذلك بأن السورة افتتحت بالأمر بتقوى الله والنهي عن طاعة
الكافرين والمنافقين واتباع الوحي خاصة، وجاء بعد ذلك قوله تعالى: {ما
جعل الله لرجل من قلبين} (الأحزاب: 4) فكان المراد منه أن الإنسان لا