تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تعتقد أن تعدد الزوجات مخالف لتعاليم نبيهم الكريم كما هو مخالف المجتمع المدني

الحديث.

إن تعدد الزوجات تابع على كل حال لتطورات الزمان، ففي ظروف

مخصوصة وفي أحوال اجتماعية مخصوصة يكون تعدد الزوجات كما ذكرنا في أول

الفصل السالف لازما ومحتم الوجود لحماية النساء من الفقر الذي يجلب معه كل

رذيلة، والواقع أننا إذا استقصينا أسباب انحطاط الآداب المخيف في عواصم أوربا

المتمدنة فإننا لا نجد لذلك سببا أقوى من هذا الفقر المدقع الذي يدفع النساء إلى

ركوب هذا المركب الخشن والالتجاء إلى بؤرات الفساد حيث يبعن أعراضهن ابتغاء

القوت واللباس. ولقد قال الأباهوك والسيدة دوق غوردون: إن ثم أحوالا

مخصوصة مجردة عن كل اعتبار ديني تدفع الناس في الشرق إلى التزوج بأكثر من

امرأة واحدة، إن تقدم الحركة الفكرية في العالم وتغيير تلك الأحوال المخصوصة قد

حديا بالناس إلى إبطال هذه العادة والتبرئ منها الآن، ولذلك نرى أن تلك البلاد

الإسلامية التي زالت منها تلك الأحوال المخصوصة أصبح أهلها ينظرون إلى هذه

العادة بعين السخط فعلا، ويعدونها مخالفة للشرع والدين تماما، وأما البلاد التي ما

زالت فيها أحوال المجتمع على نقيض ذلك فإن تعدد الزوجات فيها باق ولازم البقاء

حتما.

ورب معترض يقول: إن عبارة الشرع في هذا الموضوع تحتمل تأويل

الفقهاء واختلافهم، وإن تعدد الزوجات لا يبطل إذا إلا بعد عناء طويل، وإن وراء

العقبة الاجتماعية عقبة دينية أخرى، وإننا مع اعترافنا بوجاهة هذا الاعتراض وأنه

يستحق في الواقع اعتبار المسلمين الذين يرغبون في تخليص دينهم من الشبهات

نقول: إن موافقة القوانين أيا كان نوعها لأحوال كل زمان ومكان هو دليل نفعها

وخيرها للناس، وإن قانون الزوجية الموجود في الآيات القرآنية الشريفة تنطبق

عليه هذه الصفات تمام الانطباق، فإن ذلك القانون يوافق تمام الموافقة أحوال

المجتمع المدني الحاضر كما يوافق أحوال المجتمع القديم، فلا هو إذا بمتغافل عن

حاجات الإنسانية الراقية ولا هو بمتناس أن ثم شعوبا وقبائل في الأرض تجر عليها

وحدة الزوجية أشد المصائب وآلمها، ففي الوقت الذي تفهم عبارة القرآن كما هو

المقصود منها تماما، وفي الوقت الذي تطبق تطبيقا، موافقا لأحوال الزمان، تزول

هذه العادة وتنمحي بلا صعوبة ألبتة، ولا ريب أن هذا الوقت الذي يفحص فيه

المسلمون أقوال نبيهم فحصا جديدا ويضربون عرض الحائط بتفاسير بعض رجال

الدين ليس ببعيد إن شاء الله.

وإن أوربا التي يذكر تاريخها ما كان من تصرف رجال دينها في كثير من

العصور بأقوال كتبها كتصرف رجالنا تنفيذا لنفس هذه الأغراض الدينية أولى بها

أن تنظر بصبر وتؤدة إلى مساعي رجال ديننا الحديثين لإطلاق الأفكار الحرة من

أسرها القديم، وتطبيقها تطبيقا يوافق الجيل الحاضر، بدل أن تعجل علينا وعلى

ديننا بصب الشتائم كل يوم، وإن الوقت الذي تتحرر فيه الشريعة الغراء وتطلق من

سجن وضعها فيه بعض رجالنا يصبح من السهل على الشارع في كل بلد إسلامي

أن يضع قانونا يطبق فيه الشريعة السمحة على منع تعدد الزوجات، ولا ريب أن

هذه النتيجة التي تبعث على الغبطة والسرور، ستتحقق حتما بعد أن بدأ مسلمو

العالم المستنيرون بفحص كلام القرآن والنبي الكريم غير متأثرين بالأفكار العتيقة

التي ثبت فشلها الآن.

وإنه يسرنا أن نتيجة هذا الفحص هي على ما كنا ننتظر، فإن القول بوحدة

الزوجة يرتفع اليوم من كل جوانب العالم الإسلامي.

والواقع أن كراهية تعدد الزوجات وشعور الناس بضرره من الوجهة

الاجتماعية إن لم يكن من الوجهة الأدبية قد أخذا بالمسلمين في الهند إلى نزع هذه

العادة من بينهم، وأصبحت الشروط التي اتفق الناس هناك على وضعها في عقود

الزواج أنه لا يصح الاقتران بأخرى مع وجود الزوجة الأولى، وعلى ذلك ترى أن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٤٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٤٠٩