تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تاريخية تفسد عليه زعمه، وهذه الحقيقة ذكرها أغلب المؤرخين وهي وجود أثر

من آثار تعدد الزوجات القديمة في الطبقة العليا من الألمان في القرن التاسع عشر.

الحقيقة أن تاسيتش أراد من ذكر هذه الأكذوبة في كتابه أخلاق الألمان

استفزاز عواطف بني وطنه الرومانيين لمجاراة الأخلاق الموهومة لجيرانهم

الألمانيين ليصلحوا من شئونهم ويقلعوا عن شهواتهم واتخاذ السراري والحظيات.

هذا، وإذا استأنفنا البحث عن تاريخ تعدد الزوجات في الدولة الرومانية وجدنا

أن هذه العادة كان معترفا بها في أواخر الجمهورية في بداية الإمبراطورية، وإن

الاعتراف بهذه العادة ظاهر من المنشور الذي أذاعه القائمون بأمر الحكومة حينئذ

لإبطال هذه العادة، ولكن هذا المنشور لم ينجح نجاحه المطلوب فيكفينا لإثبات ذلك

أن الإمبراطرة هناريس وأركاديوس اللذين حكما في نهاية القرن الرابع،

وقسطنطين وولده فيما بعد، لازموا العادة القديمة، على أن ثلانتين الثاني أصدر

منشورا بعد ذلك أيضا أذن فيها لمن يريد من الرعية أن يتزوج بعدة نساء، وليس

في تاريخ الكنيسة ما يدلنا على أن رجال الدين عارضوا هذا القانون بل بقي معمولا

به لدى من خلفه من الإمبراطرة حتى جاء جوستنيان كما أسلفنا فأعاد منعها، ومن

العبث أن يظن أن هذه القوانين الجديدة وضعت تطبيقا لأحكام دينية مسيحية فإن

أكبر مستشاري هذا الرجل جوستنيان ما كان يعترف بوجود الله ومع ذلك فإن هذه

القوانين لم تحول ذلك التيار الجارف قيد شبر، وكل ما يقال فيها: إنها كانت فاتحة

حياة فكرية للعالم الجديد، وإذا كانت وحدة الزوجية قد انتشرت في أوروبا الآن

فليس ذلك نتيجة من نتائج هذه القوانين وغيرها، وإنما هي نتيجة عمل تفكيري

محض انتهى إليها المجتمع الجديد بعد تجارب عدة من القرون.

(2)

بعد أن بينا في مقالنا السالف تاريخ تعدد الزوجات في العالم بإسهاب نعود

اليوم فنذكر أن أكبر غلطة يرتكبها الكتاب المسيحيون في هذا العصر هي ما

يزعمونه من أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو أول من شرع تعدد الزوجات للخلق

وأجازه لهم، نعم إنه بطل اليوم رأي القائلين بأن محمدا هو أول من أوجد تعدد

الزوجات في العالم وأول من قال به، لا لأن هذا الرأي قد ظهر أنه مخالف للحقيقة

والتاريخ فقط، بل لأن من يقول به لنا يلصق بنفسه تهمة الجهل الفاضح بأساس

هذه المسألة الاجتماعية القديمة، أقول: نعم إنه بطل اليوم هذا الرأي ولكن زعمهم

أن النبي أجاز هذه العادة وصرح بها كما ذكرنا ما زال مذهب المسيحيين عموما

والمتعلمين منهم خصوصا ولسنا في حاجة إلى القول بأن هذا زعم فاسد باطل كما

سنبينه بعد.

إن محمدا صلى الله عليه وسلم وجد تعدد الزوجات عادة معمولا بها بين قومه

كما وجدها معمولا بها في كافة الأصقاع المجاورة لبلاده. نعم إن الإمبراطورية

المسيحية حاولت بما وضعته من القوانين أن تضع حدا لتلك الحالة المحزنة كما

ذكرنا في الفصل السالف، ولكن نتيجة هذا العمل كانت على غير ما يراه أصحاب

هذه القوانين، فإن تعدد الزوجات سار في تياره القديم بغير انقطاع، ونساء الرجل

الواحد خلا الأولى منهن بقين على حالتهن الأولى من التعاسة والشقاء.

أما في بلاد الفرس فقد كان سقوط الآداب وانحطاطها حوالي الوقت الذي ظهر

فيه النبي أمرا موجبا للدهشة والحزن معا، فإنه لم يكن ثم قانون للزواج مطلقا،

وإذا كان ثم قانون من هذا القبيل فقد كان مهملا وغير معمول به أصلا. ولما كانت

قوانين البلاد لم تحدد على كل حال العدد الذي يقف الرجل عنده في الزواج كان

من أمر الفارسيين أن استمرءوا هذا المرعى الخصيب وصار الرجل منهم يتخذ ما

شاء من الزوجات، زائدا على السراري والحظيات (رولنجر صحيفة 406) .

ولقد كان بين العرب الأقدمين واليهود عدا ما قلناه من عادة تعدد الزوجات

عادة أخرى هي الزواج بشروط مخصوصة، وكذا الزواج لمدة معينة، ولا ريب

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٤٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٤٠٧