تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من أمر حكاية اعتصاب نسوة الصابيين المشهورة وقيمتها التاريخية فلا ريب عندي

أن وجود هذه الحكاية وتناقلها من السلف إلى الخلف من شأنه إرشادنا صراحة إلى

الأسباب التي ساعدت على وضع تلك القوانين الأولية للزواج في الدولة الرومانية

رغما من بقاء عادة تعدد الزوجات في البلاد المحيطة بها برومية من كل جانب،

خصوصا بين الإنزسكانيين، ولقد كانت نتيجة احتكاك الرومانيين عدة قرون مع

بقية شعوب إيطاليا والحروب والفتوحات التي وقعت حينئذ كذلك، وكل ما كان من

أمر الأبهة والفخفخة التي جاءتهم على أثر نجاحهم في الاستعمار، كان نتيجة ذلك

كله أن سقطت منزلة العقود الزوجية المقدسة وأصبح الرجال يعيشون مع النساء

بغير عقد أو كتاب، بمعنى أن النساء جميعا أصبحن في منزلة السراري والحظايا،

ومما زاد هذه الحالة قوة وثباتا ما كان من أمر قوانين البلاد التي اضطرت إلى

الاعتراف بهذه الحالة رسميا، فالحرية المطلقة التي أعطيت للمرأة حينئذ، وضياع

ذلك الرباط الذي كان يربطها بالرجل، والحالة الناشئة عن ذلك من استبدال الرجل

لنسائه أو نقلهن من يد إلى يد، كلها أمور تدل صراحة على وجود عادة تعدد

الزوجات بالفعل، وإن وجدت تحت اسم مستعار.

هذا وبينما هذه الأمور جارية على ما بينا في الغرب كانت المسيحية قد

ظهرت في الشرق وبدأ نورها يتألق في أفق العالم الروماني بأسره، ولا ريب أن

هناك أسبابا كثيرة منها الروح وتأثيرها على تعاليم المسيح، قد حدت بنبي الناصرة

إلى أن يضع من قيمة الزواج مطلقا وإن لم يحرمه أو يأمر بمنعه على أي شكل كان.

على أن تعدد الزوجات بقي بالرغم من ذلك كله جاريا مجراه الأصلي في

البلاد الرومانية إلى أن جاء جوسنتيان فوضع القوانين لإبطال هذا التعدد، ولكن

هذا الإبطال الذي جاءت به تلك القوانين لم يؤثر تأثيره المطلوب وبقي تعدد

الزوجات معمولا به ومتبعا إلى أن استنكرته الهيئة الاجتماعية الحديثة فأبطلته.

وإذا أردنا أن نتوسع في ذكر ما نصته تلك القوانين في معاملة النساء اللواتي

سبق زواجهن برجل واحد نقول: إنها خصت المرأة الأولى بكل المميزات، وأبقت

النساء الأخرى في أشد حالات التعاسة والشقاء، وزد على هذا أن أولادهن يحرمون

من إرث أبيهم، ومن كل حق اجتماعي آخر.

وإنه يجمل بنا في هذا المقام أن نلاحظ أن تعدد الزوجات بالصورة التي

ذكرناها آنفا ما كان خاصا بالطبقة العليا من الشعب في رومية بل تعداه إلى كل

الطبقات، ولم يستثن من ذلك طبقة رجال الدين الذين نسوا أقسام العزوبة التي

أقسموها، وأصبح الرجل منهم يجمع في بيته أكثر من امرأة شرعيات كن أو غير

شرعيات.

وإن التاريخ ليثبت أن تعدد الزوجات ما كان مستنكرا إلى وقت قريب جدا

ولقد ذكر (سنت أوغستين) نفسه أن ليس في تعدد الزوجات من إثم أو عيب مطلقا

وقال: إنه ما دامت شريعة البلاد تبيح تعدد الزوجات فلا شيء في ذلك بتاتا، وقال

(هلم) : إن المصلحين الألمانيين أقروا على صلاحية الجمع بين امرأتين أو ثلاث

إذا كانت المرأة عاقرا أو إذا كان فيها ما يماثل ذلك من النقص، وقال بعض

أصحاب الرأي من الأوربيين أيضا: إنه لا عيب مطلقا في تعدد الزوجات، وإن

المسيح نفسه لم يصرح قط بإبطال هذه العادة، ولقد استطرد هؤلاء المفكرون إلى

القول بأن وحدة الزوجية المنتشرة في أوربا الآن هي عادة من عوائد الألمانيين أو

الرومانيين الإغريق، وهذا قول مخالف للواقع والتاريخ؛ ذلك لأن هؤلاء القوم

استدلوا على صحة قولهم بشهادة اثنين من كتاب الرومان، ولكن هذه الشهادة على

كونها لم تثبت، لم يعززها كتاب آخرون، فإن هذين الكاتبين مشهوران، بطمس

معالم الحقائق اتباعا لأهوائهما. والواقع أننا إذا تمشينا مع تاسيتش، وهو أحد هذين

الكاتبين، فيما زعمه عن وحدة الزوجية بين الألمان، فإننا نرى أنفسنا أمام حقيقة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٤٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٤٠٦