تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

طاقته، وما يراه غيره نصا يراه هو غير نص ' فالحقيقة عند أحدهما مجاز عند

الآخر وبالعكس.

وقد ذهب الغزالي إلى أن الإثم غير محطوط عن المخالفين في مسائل

الأصول، وحجته اتفاق سلف الأمة على ذم المبتدعة ومهاجرتهم، وقطع الصحبة

معهم، وتشديد الإنكار عليهم، مع ترك التشديد على المختلفين في مسائل الفرائض

وفروع الفقه. هذا ما احتج به الغزالي. وعجيب من مثله أن يعد هذا دليلا على

تأثيمهم، وأي مناسبة بين الدعوى والدليل؟ على أن دعوى الاتفاق على ذم

المبتدعة ومهاجرتهم مردودة بتلقي أئمة الحديث عن كثير منهم، وحمل السنن

النبوية عنهم، وجعلهم في الآثار حجة بينهم وبين ربهم، وقد سبق لنا عدة ممن

روى لهم الشيخان من الجهمية والمعتزلة والقدرية وبقي ممن رويا لهم من الإباضية

والمرجئة والشيعة عدد عديد كما تراه في مقدمة فتح الباري للحافظ ابن حجر

والتدريب شرح التقريب للسيوطي وميزان الاعتدال للذهبي. وقدمنا ما قاله الإمام

أحمد رحمه الله ورضي عنه: لو تركنا الرواية عن القدرية لتركنا أكثر أهل البصرة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وفي هؤلاء خلق كثير من العلماء والعباد

كتب عنهم وأخرج البخاري ومسلم لجماعة منهم ثم قال: لكن من كان داعية لم

يخرجوا له، ولهذا لم يخرج أصحاب الصحيح لمن كان داعية اه.

وقد اشتهر هذا، أعني أن من كان داعية إلى بدعته لم يخرجوا له، مع أن

العراقي اعترض على ذلك بأن الشيخين احتجا بالدعاة، فاحتج البخاري بعمران بن

حطان الخارجي، واحتجا بعبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني، وكان داعية إلى

الإرجاء، فأنى يستقيم مع ذلك دعوى هجران السلف لهم، وقطع الصحبة معهم،

وهم قد حملوا عنهم من السنة ما لم يوجد عند غيرهم، وأصبح مرويهم حجة دامغة

أبد الآباد؟ نعم كان بعض السلف سلق بعض متقدمي الجهمية والقدرية بألسنة حداد،

ورموهم بما هم برآء منه، وكان ذلك أيام ضعفهم وقلتهم، أما وقد انتشر مذهبهم

بعد، ودالت الدولة لهم، ودخل فيه قوم من العلماء والعباد، فلم يسع من عاصرهم

من أئمة الحديث إلا التحمل عنهم وإنصافهم، كما رأيت في عبارة الإمام أحمد

المتقدمة.

فتبين مما ذكرناه أن ما عول عليه الغزالي في المستصفى لا يصح دليلا ولا

شبهة مع ما عرفت من تخريج الشيخين عنهما، بله غيرهما، ممن نزل شرطه في

تخريجه عن شرطهما، كأصحاب السنن والمسانيد والمعاجم، فإن هذه الكتب ملأى

بالمبتدعين من الفرق كلها، كما يعرفه من سبر طبقات الرجال، ورأى رموز من

خرج لهم من الرواة المشاهير.

وبالجملة فكون هذه الفرق مجتهدة لها ما للمجتهدين، أمر لا يرتاب فيه

منصف، والمجتهد معذور بل مأجور وإن أخطأ، وإذا انتفى الإثم عن المجتهد فأنى

يصح نبزه بالألقاب السوءى والحفيظة عليه، وهل فرق الأئمة وجعلها شيعا وأذهب

ريحها إلا هذا التنابز والإزراء المعيب، مع ما يجمع الكل من أخوة الإسلام.

ولقد أنصف العلامة المقبلي في قوله في بحث الكلام مع المعتزلة من كتابه

العلم الشامخ ما مثاله: إني لست بمعتزلي ولا أشعري، ولا أرضى بغير الانتساب

إلى الإسلام، وصاحب الشريعة عليه الصلاة والسلام، وأعد الجميع إخوانا،

وأحسبهم على الحق أعوانا. انتهى.

ومن طالع كتاب حجج القرآن للإمام أحمد الرازي الحنفي رحمه الله، ورأى

تمسك كل فرقة من فرق الإسلام بآيات وأخبار ذهب بها اجتهادها إلى أنها نصوص

أو ظواهر فيما تذهب إليه عذرها ورحمها، وعلم أنها لم تكل جزافا، وإنما وزنت

الأمر بمعيار ما أدى إليه النظر، وتوخت الحق جهدها، نعم ليس كل من يتوخى

الحق يصيبه، إلا أنه ليس على باذل جهده ملام، والسلام.

وقد حكى السبكي في طبقاته عن أبيه أنه وقف لبعض المعتزلة على كتاب

سماه طبقات المعتزلة افتتح بذكر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ظنا منه أنه منهم

على عقيدتهم، قال السبكي: وهذا نهاية في التعصب فإنما ينسب إلى المرء من

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٣٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٣٩٧